خلود أبوالمجد
ليلة موسيقية حالمة، امتازت بالرقي والجمال أقيمت مساء أمس الأول في مركز جابر الأحمد الثقافي وقدمتها أوركسترا لندن سيمفوني، بكل ما تحمله موسيقاها من مذاق خاص يأخذنا الى عوالم أخرى وتهدأ الأعصاب، بعيدا عن التوتر اليومي الذي نعيشه، فتقضي نهاية أسبوع ممتعة.
بدأ الحفل برقصات من قصة الحي الغربي والتي بدأت في عام 1949 كسجل يومي دون فيه بيرنستاين فكرة عن «نسخة حديثة من روميو وجولييت تقع في الأحياء الفقيرة»، وبعد سنوات قليلة، في العام 1955، كتب مرة أخرى عن كونه تحمس ثانية لفكرة روميو، غير أنها تحولت الآن إلى موضوع عصابتين متكونتين من المراهقين، إحداهما من شعب البورتوريكو المحارب، وثانيتهما يدعو أعضاؤها أنفسهم بـ «الأميركيين»، وطبق هذه الفكرة فعلا في «قصة الحي الغربي» التي عرضت للمرة الأولى في العام 1957 لتلاقي نقدا ممن وجدها غير مناسبة كمسرحية موسيقية لما تحتويه من واقع قاس جدا، بينما وصفها آخرون بأنها الأوبرا الأميركية العظيمة التي حاول الملحنون تأليفها على مدى عقود عديدة، أما بيرنستاين، فقد صرح بأنها ليست أوبرا، بل مسرحية موسيقية من عروض برودواي بكل معنى الكلمة لاعتمادها على الرقص والأغنية لسرد القصة، وتكرر عرض المسرحية الموسيقية قصة الجانب الغربي 772 مرة في برودواي، ثم تنقلت في جولات حول الدولة قبل عودتها ثانية إلى نيويورك لتقدم 253 عرضا، وفي النهاية نتج عنها فيلم ناجح جدا في العام 1961.
وتلاها كونشرتو الكمان الرقم 1 المقطع 19 لسيرجي بروكوفيف والذي كان ملحنا مشغولا جدا ما منعه من الاهتمام بشكل جيد بكونشرتينو الكمان التي كانت في طور النمو، فقد استحوذت أوبرا «المقامر» على تركيزه التام في ذلك الوقت، وكان ذلك من مصلحة مقطوعة الكمان التي تسنى لها أن تتخمر عبر زمن طويل، كي تتطور إلى الكونشرتو الثلاثي الأجزاء الذي نعرفه الآن، وكان لهذا العمل أن يتأخر سنوات أخرى، حيث تسببت الثورة في تعطيل العرض الأول حتى العام 1923، واستلزم الأمر البحث عن مدينة أخرى لعرضها بدلا من موسكو، وكان لباريس أن تحتضنها.
وامتاز الجزء الأول والأخير للكونشرتو بطابع رومانسي، غير أن الجزء الثاني كان حادا جدا بل ذا لمسة «حداثية»، وعندما عزف الكونشرتو الأول بنجاح كبير بعد بضعة أيام في موسكو (في نسخة للكمان والبيانو)، بدأ نجم بروكوفيف في الصعود.
وبعد ذلك تم تقديم السيمفونية الرابعة، المقطع 36 لبيتر إليتش تشايكوفسكي، وتعتبر السيمفونية الرابعة، التي ألفت فورا بعد بحيرة البجع (أول باليه لتشايكوفسكي)، وفي الوقت نفسه الذي ألفت فيه أوبرا يوجين «أونيجين»، دليلا واضحا على مدى تأثر تشايكوفسكي بالأدب الذي شكل فكره، وعلى رؤيته للحياة كتقليد مصيري للفن.
وتعد الحركة الأولى الهائلة للسيمفونية تصريحا مرهقا للألم والحتمية، فالافتتاح «البوقي» الحزين الذي يتبعه الحنين بصوت البرق القاطع الذي اهتزت له الأوركسترا ينبئاننا بما سيلي، بينما نستمع أيضا إلى تدرج لحن الأوتار الباكي.
يبدأ الجزء (الحركة) البطيء مع لحن باك وحيد على المزمار، يدور حول الأوركسترا، ويتعزز لحنه من خلالها. ويؤدي ذلك إلى الحركة الثالثة النشيطة التي يعزف معظمها على أوتار بيزيكاتو، بالإضافة إلى لحن بوقي خشبي يقطعها مشكلا لخط بيكولو آمر.
أما الحركة النهائية فهي انفجار مندفع من الطاقة يستخدم لحنا شعبيا روسيا «وقفت شجرة البتولا في الحقل» كإحدى أفكاره، ورغم إقحام الدافع الحتمي للحركة الأولى، فإن الإثارة العالية تستمر، لتدفع بالموسيقيين والمستمعين إلى ختام السيمفونية المنتصر.