في خلال 24 ساعة، حط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ثلاث دول شرق أوسطية، وتحول الدب الروسي الى «سندباد» رشيق الحركة سريع القفز مقتنصا الفرص وساعيا الى تحقيق انتصارات في وجه «النسر الأميركي الجريح».
في زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقا، وصل بوتين الى سورية، لم ينزل في دمشق وإنما في قاعدة حميميم العسكرية «الروسية». لم يعد له استقبال رسمي وإنما لاقاه الرئيس السوري بشار الأسد منفردا مثلما ذهب إليه قبل أسابيع الى سوتشي وحده. ولم تكن زيارته الخاطفة زيارة تفقدية لقواته، وإنما زيارة استثنائية للإعلان عن:
٭ انتهاء العمليات العسكرية الكبيرة ضد تنظيم «داعش»، وبالتالي انتهاء الوظيفة الأساسية وتحقق الهدف الأساسي للتدخل العسكري الروسي.
٭ بدء سحب القوات الروسية العاملة في سورية مع الإبقاء على قاعدة حميميم الجوية وعلى قاعدة طرطوس البحرية.
٭ إطلاق عملية التسوية النهائية في سورية بعدما تم وضع المبادئ الأساسية لحل الأزمة والإعلان عن إقلاع قطار التسوية، من سوتشي حيث يعقد مؤتمر الشعوب السورية مطلع العام المقبل.
من سورية انتقل بوتين الى القاهرة، حيث استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بحفاوة، هناك جرى التداول في الأزمتين السورية والليبية والقضية الفلسطينية، إضافة الى العلاقات الثنائية التي تتقدم بوتيرة تصاعدية وتشمل مختلف المجالات من سياسية وأمنية (مكافحة الإرهاب) وعسكرية (التسلح) واقتصادية وفي مجال الطاقة (محطة نووية لإنتاج الكهرباء).
وهذا المنحى للعلاقات يثير اهتمام وقلق الأميركيين حين يرون أن بوتين بات اليوم حليفا محتملا بالنسبة الى عدد من الدول العربية، في مقدمها مصر والسعودية والمغرب والجزائر، إضافة الى الدور الروسي في ليبيا حيث الدعم الخاص لخليفة حفتر، والدور الروسي القيادي والمحوري في سورية، حيث يمسك بوتين بزمام المبادرة ومفاتيح التسوية. وفي وقت يحكى عن اتفاق مصري ـ روسي يتيح للطائرات الحربية للدولتين تبادل استخدام المجال الجوي والقواعد العسكرية الجوية والبنية التحتية للمطارات، يحكى أيضا عن قواعد عسكرية روسية في السودان موضوعة على طاولة البحث بين الخرطوم وموسكو.
من مصر، تحول بوتين، البارع في جمع التناقضات واللعب عليها، الى تركيا. الزيارة تمت بناء على طلب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكانت قضية القدس في ضوء قرار ترامب الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل على رأس جدول الأعمال، خصوصا أن زيارة بوتين تأتي عشية افتتاح القمة الإسلامية الطارئة في اسطنبول.
ولكن الملف السوري يبقى هو الأساس والهدف لهذه الزيارة. وهذا الملف يحضر بشقيه السياسي (مفاوضات جنيف ومؤتمر الحوار في سوتشي) والأمني (الوضع الحدودي من إدلب الى عفرين).
تركيا شاركت في مسار الأستانة أولا ثم مسار سوتشي، وأتاحت لها هذه المشاركة تحقيق مكاسب كبيرة والعودة لاعبا مشاركا ومقررا في مصير المنطقة، وهي بذلك تعوض الخلاف المستمر مع الأميركيين، ساعية من التقارب مع روسيا الى استخدامه ورقة ضغط على واشنطن من أجل تغيير سياساتها تجاهها وتجاه الأكراد.
فعندما رفضت أميركا التخلي عن الأكراد بعدما خيرها أردوغان بينه وبين «الإرهاب الكردي»، وعندما وصل الأمر الى حد محاولة خلع أردوغان نفسه، في هذه اللحظة بالذات، رمى الصياد الروسي «الصنارة» مراهنا على إبعاد تركيا عن حلف الأطلسي وجذبها ولو جزئيا الى المحور الروسي- الإيراني- السوري، وتلقف أردوغان الإغراءات الروسية وعدّل في سياساته وحقق على الأرض السورية: توسيعا لحدود الوجود العسكري عبر الدخول الى إدلب وربما الى عفرين لاحقا.
وانكسارا للتهديد الكردي للأمن القومي التركي بمنع إقامة شريط كردي يقطع تركيا عن الفضاء العربي ويهدد بالانتقال الى داخل تركيا. وتغييرا في البنية التحتية الجغرافية والسكانية والأمنية في كل هذه المنطقة، ما يوفر لتركيا منصة تفاوض صلبة مع روسيا وإيران وسورية.