نهاية تنظيم «داعش» في سورية ليس بالتأكيد نهاية الحرب، وليس أكثر من خطوة على طريق النهاية والأزمة السورية مستمرة في عامها السابع ولكن على إيقاع دولي وإقليمي مختلف، ومتأرجحة بين حروب صغيرة، وعادة آخر المعارك تكون الأكثر شراسة ودموية، وتسوية كبيرة لم تكتمل مقوماتها الميدانية وظروفها السياسية المتنقلة بين آستانة وسوتشي وجنيف، ولكنها آتية حتما عاجلا أم آجلا.
في نهايات العام ٢٠١٧، أوحت ملامح ومؤشرات المشهد السوري أن الأزمة دخلت في مسار انفراجات وتسويات تضع نهاية للحرب والصراع العسكري.
وما دعم هذا الانطباع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومن سورية (قاعدة حميميم العسكرية) عن سحب القوات الروسية بعد إنجاز المهمة، وعن توسيع مناطق خفض التصعيد والتوجه الى مؤتمر آستانة وسوتشي للتفاوض على حل سياسي تحت سقف نظام الأسد، ولكن التطورات اللاحقة منذ مطلع العام الجديد لا تدل الى انفراجات قريبة، وتعطي انطباعا آخر بأن الساحة السورية متجهة الى دورة جديدة من الصراع والعنف وستكون قوية، وفي ظل تشابكات إقليمية دولية خطرة، كما توحي بأن الدول الإقليمية الثلاث الكبرى، إيران وتركيا وإسرائيل، تتحضر الى رفع نسبة تدخلها لضمان مصالحها وحصتها في مستقبل سورية، وأن الدولتين العظميين، الولايات المتحدة وروسيا، في صدد الانتقال من التفاهم الميداني والسياسي الى «صراع مفتوح».
ومن هذه التطورات المتلاحقة والمثيرة للاهتمام والجدل:
١-استئناف إسرائيل غاراتها الجوية وضرباتها الصاروخية في سورية مع قيام طائرات وصواريخ أرض أرض إسرائيلية بضرب القطيفة ومن داخل المجال الجوي اللبناني، وتصدت وسائط الدفاع الجوي السورية لهذا الهجوم الذي استهدف على الأرجح مستودع أسلحة تابعا لحزب الله، والذي يأتي في سياق استراتيجية إسرائيل المعلنة لمنع إقامة قواعد إيرانية في سورية، ولمنع نقل أسلحة إيرانية متطورة الى حزب الله تغير قواعد اللعبة. والجدير ذكره هنا أن منطقة القطيفة في ريف دمشق التي قصفت يتمركز فيها اللواء ١٥٥ التابع لإدارة الصواريخ في قوات المدفعية والصواريخ التابعة بدورها لقيادة أركان قوات النظام، ويعد من أهم القواعد العسكرية في قوات النظام السوري، التي تحوي منصات لإطلاق صواريخ «سكود» وكانت من ضمن القواعد التي جرى تطويرها تحت إشراف إيراني وروسي.
٢- هجمات «غامضة» على قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية التابعتين لروسيا، ولم يعرف حتى الآن ما الدولة أو الجهة التي تقف وراء هذه الهجمات التي اوقعت اكبر قدر من الخسائر في سلاح الجو الروسي بحسب وسائل إعلام روسية.
في الوقائع والتفاصيل أن وزارة الدفاع الروسية نشرت (في صفحتها على «فايسبوك») إن «منظومات ضمان أمن القاعدة الجوية في حميميم والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس تمكنت بنجاح من إحباط محاولة هجمات بأسراب في الطائرات من دون طيار ٦ يناير ٢٠١٨، وأشارت الوزارة إلى أن «هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها بشكل واسع «درونات» مسيرة على شكل طائرات في هجماتهم»، موضحة أن «الطائرات المسيرة تم إطلاقها من مسافة تبعد نحو ٥٠ كلم، مع استخدام لتقنيات التوجيه لتحديد الإحداثيات بواسطة الأقمار الصناعية»، لافتة في الوقت ذاته إلى أن «الفحص أظهر (GPS) الحديثة، ومنظومة أن مثل هذه الطائرات المسيرة يمكن إطلاقها من مسافة ١٠٠ كم تقريبا».
واثار الهجوم جدلا بين موسكو وواشنطن، إذ أكد الپنتاغون أن التقنيات المستخدمة متوافرة في الأسواق، ومن جانبها ردت وزارة الدفاع الروسية وعبرت عن قلقها إزاء تصريحات ممثل الپنتاغون، وتساءلت: «عن أي تقنيات يدور الحديث، وأين تقع تلك الأسواق، وأي استخبارات تتاجر وتبيع معطيات التجسس الفضائي؟»...
ولاحقا، قالت وزارة الدفاع الروسية إن طائرة استطلاع أميركية كانت تحلق في الأجواء فوق قاعدتي حميميم وطرطوس، خلال الهجوم، استهداف قاعدتي حميميم وطرطوس أكبر القواعد الروسية خارج الاتحاد السوفيتي السابق (والذي سبقه بالهاون استهدف القاعدة الأولى ليلة رأس السنة يكتسب أهمية رمزية لثلاثة أسباب: الأول أن بوتين كان وصف القاعدتين بأنهما «قلعتان» لحماية مصالح روسيا، وكان يبدو مطمئنا لحجم الانتصار الذي تحقق في سورية ولفكرة «إنجاز المهمة» التي تم الترويج لها بكثافة من روسيا، والثاني أن هذا التطور يشير الى بدء مرحلة جديدة في المواجهة غير المباشرة مع واشنطن المتهمة من جانب روسيا بأنها سلمت تقنيات جديدة الى فصائل معارضة ساعدتها في صناعة القنابل الطائرة والموجهة، والثالث أن هذه الهجمات لا تتبناها ولا تعلن المسؤولية عنها أية جهة أو منظمة سورية، وتنطلق من مناطق سيطرة النظام السوري أو من جيوب في هذه المناطق.
٣-التطور الثالث والأهم يتمثل في العمليات العسكرية الواسعة النطاق التي بدأها الجيش السوري مع حلفائه في مناطق دمشق (الغوطة الشرقية) وريفي حماه وحلب، وخصوصا في محافظة إدلب حيث يتم إحراز تقدم ملحوظ على الأرض بعد استعادة بلدة سنجار ومحيطها والوصول الى مسافة قريبة من مطار الظهور العسكري، وحيث الوضع الميداني في إدلب يحتل حاليا صدارة المشهد والأحداث السورية، «عملية الحسم» باتجاه إدلب أثارت قلق وحفيظة تركيا والمعارضة الحليفة لها: تركيا تتهم النظام السوري باستهداف مقاتلي المعارضة المعتدلة تحت غطاء العملية العسكرية ضد المتطرفين محذرة من أن هذه التطورات قد تقوض مؤتمر سوتشي للحوار، والمعارضة التي تعتبر ما يجري انقلابا على كل اتفاقات مسار آستانة، باتت متأكدة، استنادا الى ما يحدث على الأرض، أن نظام الأسد لم يغير سياسته القائمة على الحسم العسكري مع المعارضة ولا يخفي عزمه على استعادة الغوطة كاملة، وعلى السيطرة على إدلب والانطلاق بعد ذلك الى معركة استعادة الرقة التي حررها الأكراد بمساعدة أميركية وغض طرف روسي، وهم مصممون على ضمها لمناطقهم لربطها بالحسكة شرقا ومناطقهم في حلب غربا.
وفي مواجهة هذه التحديات على الأرض، وفي ضوء انهيار الاتفاقات التي تحققت في آستانة تجري محاولة لجمع عشرات الفصائل وتأسيس وحدة هيكلية موحدة تحت قيادة هيئة أركان و«وزارة دفاع» (أسندت الى اللواء المنشق محمد فارس)، وهذا التشكيل الجديد سيحمل اسم «الجيش الوطني السوري» بدلا من «الجيش الحر ويضم نحو ثلاث فرق عسكرية مع نحو ٢٠ ألف مقاتل غالبيتهم من العسكريين السابقين.
في الأبعاد السياسية للتطورات الميدانية الجارية على ثلاثة خطوط، إسرائيلية وروسية وإيرانية، خلاصة أساسية مفادها أن الغموض يكتنف مصير التفاهمات الروسية الأميركية «الضبابية» حول سورية التي بدأت تشهد بداية اشتباك أميركي روسي ستكون له تأثيرات على مسار سوتشي وعلى مجمل عملية التسوية التي تريد روسيا التفرد بها ووفق الاستراتيجية الأميركية التي أعلنت مؤخرا، فإن القرار الأميركي هو البقاء في سورية، أميركا باقية كقوات في قواعد وكقوة في «تحالف دولي» قادر على قطع طريق التفاهمات الروسية - الإيرانية في سورية.
قرار إدارة ترامب ينبثق من الاستنتاج أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس مهتما ولا جاهزا لأن يكون شريكا مع إدارة ترامب في سعيها لاحتواء التوسع الإيراني في سورية وتوطيد وجودها هناك، وهو ليس صادقا، كما استنتجت إدارة ترامب، في إيحائه بأن العلاقة الثنائية الروسية - الأميركية لها الأولوية، فيما القرار الاستراتيجي الأميركي هو كبح نشوة الانتصار الإيراني إقليميا ولجم التوسع الإيراني في الجغرافيا العربية، لذلك قررت إدارة ترامب قطع الطريق على مسيرة قطف ثمار الاستثمارات الروسية في سورية، قررت عرقلة استئثار موسكو بالعملية السياسية عبر «عملية سوتشي» لتحل مكان «عملية جنيف».
أبلغت الى موسكو أنها باقية عسكريا وسياسيا.
أبلغت أن خططها للعملية السياسية والاستثمارات والقواعد وإعادة البناء ستتعثر لأن الرياح الأميركية ستجري بما لا تشتهي سفينة الحل الروسية، ثمة قناعة لدى أطراف وازنة في موسكو بأن الحسم الميداني وحده لن ينضج الظروف لتسوية سياسية جدية، مهما عزز من أوراق النظام التفاوضية، وأن التوصل إلى تفاهمات مع أطراف إقليمية مؤثرة ومع واشنطن مازال بعيدا، ما يعني أن سقف الآمال المعلقة على سوتشي لا يصل إلى درجة إطلاق حوار سياسي جدي.