شافعي سلامة
صدر عن دار سكون الفكر للنشر والتوزيع كتـــاب «الفــرصـــة البديلــة» للمــؤلف عبدالله عبدالهادي بورزق.
ويمثل الإصدار إضافة مفيدة ومهمة للغاية للمكتبة العربية التي تعاني نقصا في ميدان كتب الإدارة والتنمية البشرية حاول بورزق سد جزء منه عبر مؤلفه الماتع.
انعكست دراسة المؤلف لتخصص التمويل وإدارة الأعمال على اختياره وهو ما يشير إليه في كتابه حيث يذكر بداية تعرفه على الاقتصاد كعلم يدرس سلوك الأفراد والهيئات في استخدام مواردهم المحدودة، ثم تغير نظرته له، بعد مرور سنوات عديدة على انقضاء فترة الدراسة، من علم نظري يطبق القوانين والفرضيات في عالم المال والأعمال، إلى فلسفة اجتماعية تلامس حياتنا اليومية.
وهكذا لاحظ المؤلف أن من أبرز المبادئ الاقتصادية التي يعيشها يوميا ويقيس عليها قراراته دون أن يشعر هو مبدأ كلفة الفرصة البديلة والتي تعرف بأنها «الفائدة المفقودة للقيام بشيء ما بدلا من شيء آخر»، حيث توجد هذه الكلفة الخفية في كل شيء لأنه من الممكن إدارة الموارد المحدودة عن طريق فرص أو طرق غير محدودة.
وهنا يشير بورزق إلى أنه عند إتقان تحديد الكلفة سيكون من الممكن بلوغ الحل والقرار الاقتصادي الأفضل، لكن عوامل كثيرة موضوعية وشخصية تدخل في هذه العملية وتتطلب منك إجادتها وإدارتها وتنميتها.
فصول الكتاب
على عكس ما هو شائع بين البعض، فإن العلاقة بين الشراء والسعادة ليست طردية بل يمكن أن تكون عكسية.
هذه الحقيقة تأتي بين طيات كتاب «الفرصة البديلة» الذي يأتي في 115 صفحة من القطع الصغير، وينقسم إلى ٩ فصول: الوقت، الشخصية، مكانك بالمجتمع، المظهر، التكلفة الغارقة، الاستثمار، الفرص، الأولويات، والإيمان.
يصدر المؤلف حديثه بالتطرق لأحد أهم الأصول المتاحة لدى البشر ألا وهو الوقت، حيث يشرح في الفصل الأول كيف أن الوقت من أندر الموارد، ويتحدث عن مضيعاته التي تعانيها الكثرة الغالبة من الناس في هذه الأيام ومنها: الإسراف بتصفح الإنترنت، النوم الزائد عن الحاجة، برامج التلفزيون التافهة، النقاشات العقيمة، السهر بلا سبب.. وغيرها من الأمور التي يكفي أن تقيس نسبتها المئوية لتعرف حجم إهدار الوقت، ويحيلنا الى كتاب «العادات السبع الأكثر فاعلية» لستيفن كوفي وجدوله الرباعي المهم في تنظيم الوقت والذي يقسم ما نقوم به من أمور إلى: مهم عاجل، مهم غير عاجل، غير مهم عاجل، وغير مهم غير عاجل.
في فصل الشخصية نتابع تأثير نوع الشخصية على القرار الاقتصادي، وذلك عبر نظرية الألوان الأربعة ونظرية الشخصيات الـ١٦ والذكاء العاطفي.
وفي فصل «مكانك بالمجتمع» يتناول المؤلف الطبقات الاجتماعية وتأثير ذلك على الاقتصاد فيرى الطبقة الثرية ذات امتيازات وتأثير اقتصادي وسياسي في المجتمع، فيما يوضح رؤية الاقتصاديين أن وجود الطبقة المتوسطة في المجتمع وسهولة وسرعة الانتقال بين الطبقات يعكس تكافؤ الفرص وعدالة توزيع الثروات والذهاب في الاتجاه الصحيح.
وبالنسبة للمظهر، وهو موضوع الفصل الرابع من الكتاب، يشير بورزق إلى تأكيد الدراسات أن موظفي التسويق والبيع ذوي الجاذبية العالية والذين يعتنون بمظهرهم يحققون صفقات أكثر من الموظفين الأقل جاذبية.
كما يشرح في الفصل الخامس مفهوم «التكلفة الغارقة» وأهمية الحكمة التي تقول: إذا كان التوقف والاعتراف بالهزيمة مؤلما فالاستمرار في الاتجاه الخطأ وتكرار الإحباطات قاتل.
«الاستثمار» هو موضوع الفصل السادس ويعرفه المؤلف بأنه إنفاق الموارد في سبيل الحصول على فائدة أكبر في المستقبل، ثم يعرف من هو الغني ويشير إلى مبدأ باريتو أو قانون 20/80.
في فصل «الفرص» يتحدث عن اكتشاف الفرص واقتناصها بل وصناعتها ويذكرنا بالمثل الشهير «مصائب قوم عند قوم فوائد».
يتناول بعد ذلك «الأولويات» وكيفية ترتيبها بما يحقق الأهداف اقتصاديا، وذلك قبل ان يتحدث في الفصل التاسع والأخير عن «الإيمان» والذي يقول إنه لا يقتصر على المعتقد الديني، وإن كان هو الأهم لدى الكثيرين، ولكنه يمتد إلى الإيمان بأفكار سياسية أو مبادئ اقتصادية حتى تغير مجرى حياة الناس.
من الغني الحقيقي؟
في خاتمة الكتاب يتطرق المؤلف لمشكلة عالمية تعاني منها المجتمعات الإنسانية حاليا تجمع بين جوانب اقتصادية واجتماعية، ألا وهي سوء توزيع واستخدام الموارد حيث يموت البعض جوعا فيما يعاني آخرون من أمراض السمنة.
ويلفت بورزق إلى اقتيات النظام الرأسمالي على الإنفاق الاستهلاكي وتصنيف الشراهة في اقتناء الكماليات كنوع من أنواع الإدمان والهوس، لكنه يرى الأمل في أصحاب الثروات الذين يتبرعون بأغلبها ويسخرون طاقاتهم للأعمال الخيرة.
ويعرف الكاتب الغني الحقيقي بأنه من استغنى وعاش عيشة كريمة بأقل من قدراته وقلص حاجاته ليسخر موارده لتحسين الظروف المعيشية لمن هو أحوج منه لما يملك.