يمثل كل من موضوع محاربة الفقر وموضوع إعادة بناء الثروات وتخصيصها وتوزيعها بأسلوب متوازن وعادل قضية أساسية وشائكة في القرن الحادي والعشرين.
فقد أدت تجاوزات ما يسمى اليوم بـ «الرأسمالية المالية» إلى زيادة التفاوت في تراكم الثروات، كما أن عصر تطور التكنولوجيا الناشئة في مرحلة ما بعد الرأسمالية ينطوي على الكثير من المضامين التي ستشكل تهديدا واضحا للمجتمعات البشرية.
تظهر معظم الدراسات الصادرة مؤخرا بأن العمالة وفرص التوظيف في الشركات ومجالات ريادة الأعمال القائمة اليوم تلعب دورا حاسما في مكافحة الفقر، وتحسين مستويات رفاه المعيشة بشكل عام. ورغم أخذ هذه القضية جيدا بعين الاعتبار، ولكن الخبراء الاقتصاديين لا يقدمون أي توصيات إضافية لدعم الجهود بهذا الخصوص.
وانطلاقا من دورنا كباحثين بمجال الإدارة، يمكننا التوسع في الأسئلة التي نطرحها للتركيز على قضايا أخرى مثل: ما نمط الرأسمالية التي نحتاجها من أجل المستقبل؟ ما نوع الشركات التي سننشد تأسيسها لاحقا؟ وأي نوع من الرفاهية ننشد؟ في الواقع، إن الإجابات الواقعية والملموسة لهذه التساؤلات تكمن جزئيا في ممارسات الإدارة والحوكمة التي تطبقها الشركات- وهو ما نطلق عليه اليوم تسمية «مبادئ استمرارية الشركات» (orgology)، أو علم المؤسسات والشركات والإدارة- إلى جانب السياسات العامة الوطنية والدولية.
أبعاد شاملة إلى قطاع الأعمال
إن تحول الشركات إلى أحد أشكال أو أنماط الرأسمالية الأكثر مواءمة لتحقيق رفاه الإنسان - أي «رأسمالية الرفاه» - يجب أن يترافق مع قيام تلك الشركات أولا بمراعاة متطلبات وتوقعات أصحاب المصلحة المعنيين، والذين يشملون بطبيعة الحال الموظفين والعملاء، وكذلك الموردون والبيئة المحيطة والمجتمع المدني.
ولا شك أن الخطوة الأولى للتفكير وبلورة الرفاه الجماعي للأشخاص المتأثرين أو المتضررين من أنشطة الشركات تكمن من خلال الاندماج في مشروع مؤسسي يرتكز على أبعاد أكثر شمولية مقارنة بالأنماط النموذجية للرأسمالية المالية. ونؤكد بهذا السياق أن الإدارة لم تعد اليوم تمثل منهجا موجها نحو التحسين المالي فحسب، بل أصبحت بمنزلة عامل مؤثر يسمح بالمزيج بين المصالح المتضاربة تارة والمتوافقة تارة أخرى.
ولكن عالم الشركات لن يصبح منفتحا على تحقيق أهداف أكثر شمولية إذا لم تتحسن تدابير الشركات المتعلقة بالتأثيرات الاجتماعية والبيئية لأنشطتها. إذ إن التدابير التقليدية المتعلقة بتحقيق الربحية الاقتصادية والمالية لم تعد كافية لقياس أثر الأنشطة التجارية للشركات.
واستنادا لذلك، يتعين توسيع نطاق تلك التدابير لتتضمن الأثر على أصحاب المصلحة المحددين، والذي يشمل الأبعاد المحيطة والاجتماعية.
لايزال تقييم التأثيرات الاجتماعية يمر في مراحل أولية متواضعة، ولعل ما يدعو للمفارقة هنا أن وفرة الكثير من المعايير وطرق التقييم المخصصة يتسبب في تباطؤ عملية تقييم أثر استراتيجيات الشركات والإجراءات والخطوات التي تتخذها.
وفي ظل الافتقار إلى أدوات ثابتة للمقارنة، فإنه من المستحيل التمييز بين الشركات الملتزمة تجاه الأهداف الاجتماعية، والتي تحقق الكثير من الإنجازات ولكن لا تحظى بالتواصل القوي وبين خبراء العلاقات العامة الذين بدورهم ينجزون القليل ولكن يركزون بقوة على أنشطة التواصل والترويج.
واستنادا إلى ذلك، فإن ما يهمنا بالدرجة الأولى هو توحيد مؤشرات قياس الأثر الاجتماعي، لأن ذلك يمثل خطوة حاسمة يجب أن تتخذها الجهات الاقتصادية الفاعلة سواء المنظمات الربحية أو غير الربحية.
ولضمان التزام قطاع الأعمال وصناع السياسات بتحقيق أهداف متسقة، من المهم تنسيق ومواءمة نظم القياس والمعايير الخاصة بكل منهم.
وعلى مستوى «مركز المجتمع والمنظمات» (SnO) في جامعة الدراسات العليا لإدارة الأعمال HEC Paris، فإننا نلتزم بمنهج عملي لتغيير طرق قياس وتقييم الأثر الإيجابي في قطاع الأعمال التجارية والشركات.
حيث نساعد بعض الشركات الرائدة ومتعددة الجنسيات في فرنسا على تقييم أثرها الإيجابي بالطريقة الأفضل، وهو ما يمثل بطبيعة الحال تحد صعب ولكنه ينطوي على فرص قيمة في ذات الوقت، ونعتقد أن الوقت قد حان لتحقيق مزيد من التقارب في هذا السياق.
نقلة في مفاهيم الرأسمالية
يتوجب علينا التفكير بأسلوب يتخطى مجرد قياس الآثار الاجتماعية والبيئية، وذلك في حال أردنا تطبيق ممارسات تسهم في الارتقاء بحياة الموظفين والعملاء والمواطنين وجعل هذه الممارسات أكثر انتشارا، بالإضافة إلى نشر الفائدة في المجتمع عموما.
كما يجب العمل على ترجمة العوائد الإيجابية التي تترسخ في المجتمعات البشرية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، بحيث يتسنى للشركات الحصول على المردود المالي أيضا. ولا يجب لهذا المردود أن يكون رمزيا، على سبيل المثال: التصنيفات التي ترتقي بسمعة تلك الشركات كجهات عمل أو توريد مميزة، إذ يجب أن يترافق ذلك أيضا مع تحقيق مزايا فريدة يمكن أن توفر دخلا مباشرا لتلك الشركات.
علاوة على ذلك، من الضروري أيضا تحديد هذه المزايا والمنافع وتنظيمها وتخطيطها بالشكل الأمثل.
وقد تكون هذه المزايا على شكل وصول مبسط ويسير إلى حلول الائتمان، وتكاليف منخفضة لإصدار الأدوات المالية، أو الاستفادة من نظم تأمين مواتية تتناسب فيها المزايا مع الرفاه الذي تولده الشركات ومساهمتها في الحد من المخاطر المنهجية طويلة الأجل.