يثبت الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال ممارسته وسياسته أمرين: الأول أنه «يعد ويفي» وأنه ما قطع تعهدا إلا والتزمه.
هذا ما حصل في موضوع نقل السفارة الأميركية الى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وهذا ما يحصل الآن في موضوع الاتفاق النووي الإيراني الذي كان هدد بالانسحاب منه ونفذ تهديده أمس الأول.
والأمر الثاني أن ترامب ماض قدما في تدمير الإرث السياسي «الخارجي» للرئيس السابق أوباما، وها هو الآن يطوي الصفحة الأهم من كتاب أوباما الشرق أوسطي ويلغي الإنجاز الأهم في عهده وهو الاتفاق النووي مع إيران، معيدا العلاقة معها الى ما قبل أوباما والى حالة المواجهة وأسوا مما كانت عليه، ومعيدا العلاقة مع إسرائيل الى سابق عهدها من الالتزام الكامل بأمنها القومي، ومعيدا السياسة الأميركية الى مسارها الطبيعي بعدما سجلت انحرافا وجنوحا لمصلحة إيران.
وما يريده ترامب من إلغاء الاتفاق النووي افتتاح مرحلة جديدة يكون عنوانها تطويق إيران وإضعافها ووقف أنشطتها ومشروعها التوسعي في المنطقة.
يظهر ترامب أيضا «ميزة ثالثة» وهي العناد والأنانية في تفكيره وسلوكه، وأنه لا يقيم وزناً للحلفاء الأوروبيين الذين أخفقوا في إقناعه بالبقاء في الاتفاق النووي بعد إضافات عليه تتعلق بالبرنامج الصاروخي لإيران وأنشطتها المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة.
ورغم زيارات متلاحقة قام بها قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا الى واشنطن ومناشدات لترامب بالمحافظة على الاتفاق النووي، فإن ترامب اتخذ الموقف الذي يراه مناسبا.
ولم يعد أمام الأوروبيين الآن إلا التحول في اتجاه طهران لإقناعها بالبقاء داخل الاتفاق والاستمرار في التزاماتها وعدم التذرع بالانسحاب الأميركي وعدم العودة الى تخصيب اليورانيوم، وإقناعها أيضا بفتح مفاوضات جديدة في شأن برامجها الباليستية والصاروخية وسياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.
يراهن الأوروبيون على حاجة إيران لاستمرار العمل بالاتفاق واستمرارهم في تطبيع علاقاتهم الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع طهران، من دون الرضوخ للأوامر الأميركية، ولكن إيران تراودها فكرة الانسحاب من الاتفاق النووي لأنها غير متيقنة من موقف الأوروبيين وقدرتهم على تأمين مصالحها وتقديم الضمانات التي تطلبها، والوقوف بوجه الضغوط الأميركية.
فإيران تريد التفاوض سريعا مع الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق ومع روسيا والصين لمعرفة مدى قدرة هذه الدول على ضمان مصالحها بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، ومدى إمكانية استمرار الاتفاق من دون الولايات المتحدة.
فإذا لم يعد بإمكان إيران أن تبيع النفط وتنقل أموالها وتجلب استثمارات من الخارج، لن يكون اتفاق ولن تكون هناك التزامات من جانبها.
أيا يكن الرد الإيراني على القرار الأميركي، فإن منطقة الشرق الأوسط دخلت في مرحلة جديدة شديدة التوتر والتأزم، وسط صراعات قائمة وتعقيدات مزمنة ومشاريع آتية.
روسيا التي لم تجد ما تقوله إلا التحذير من عواقب وخيمة وتعتبر «المحافظة على الاتفاق أساسا لمنع تدهور الموقف»، مقتنعة بأن تحركات واشنطن هدفها تكثيف الضغوط على طهران وليست مرتبطة بالبرنامج النووي، ومتخوفة من أن تشكل إثارة ملف إيران النووي عنصرا من عناصر تصعيد المواجهة إقليميا مع طهران.
وفي سياق السجالات الإيرانية- الإسرائيلية المتصاعدة، والتي أدت الى ازدياد المخاوف الروسية من حدوث مواجهة بين الطرفين ومن تأثيرات على الوضع في سورية.
أما إسرائيل التي تصفق لترامب وقراره الشجاع والصحيح بإلغاء «الاتفاق الكارثة» (الذي زاد من السلوك العدواني لإيران بشكل كبير في المنطقة برمتها ولا يمنعها من السير في اتجاه القنبلة النووية)، فإنها تعتبر أن هذا القرار يخدم الأمن القومي لإسرائيل لأنه سيؤدي الى وقف التدهور في المنطقة وكبح جماح إيران ونفوذها.
وتراهن إسرائيل على أن تساهم عودة العقوبات الى الضغط على الشارع والرأي العام في إيران للتحرك ضد النظام وحمله على التراجع عن سياساته الإقليمية.
وينتظر الإسرائيليون تفاقما في مشاكل إيران الاقتصادية، على أن يتدحرج ذلك باتجاه بلورة رأي عام داخلي ضاغط على النظام الإيراني لتقديم تنازلات جوهرية تتصل بخياراتها الاستراتيجية.
وهذا الرهان على تطورات داخل إيران يكمله رهان آخر على تطورات خارجها وعلى مسار تصادمي بين إيران وأميركا في المنطقة.
وهكذا، فإن الحسابات الإسرائيلية تتحرك بين حد أدنى هو فرض طوق اقتصادي على إيران من العقوبات والمضايقات الاقتصادية والمالية، لا يكون فعالا إلا إذا انضمت أوروبا الى العقوبات الأميركية.
وحد أقصى هو استدراج الولايات المتحدة الى حرب مع إيران أو الى تغطية أي حرب إسرائيلية معها.