بيروت - جويل رياشي مشهد من فيلم «كفرناحوم»
يأسرنا فيلم نادين لبكي الجديد «كفرناحوم»، الذي فاز بجائزة التحكيم في مهرجان كان الفرنسي ويمثل لبنان في حفل الاوسكار، ويضعنا أمام السؤال التالي: هل في لبنان فعلا هذه الكمية من البؤس؟ هل تشبه بعض الضواحي لدينا تلك الشهيرة بأحزمة البؤس ومدن الصفيح في نيودلهي وكالكوتا وتلك المحاذية لريو دي جانيرو وغيرها؟ وهل سيشاهد القاطنون في أحزمة البؤس اللبنانية هذا الشريط؟ هل سمعوا أصلا باختراع الأخوين لوميير أو دخلوا مرة الى صالة سينما؟
عالم آخر نقلتنا اليه لبكي، مهدت له بمخاطبتنا في الصالة المكتظة بالمتفرجين، علما أن الشريط يُعرض في صالات عدة في الوقت عينه وبأوقات مختلفة في كبرى دور العرض السينمائية اللبنانية. خاطبت المخرجة الجمهور شاكرة له تشجيع السينما اللبنانية، وتاركة له الحكم على شريطها والقصة أو بالأحرى مجموعة القضايا التي يعالجها.
لم تشذ لبكي عن عادة جديدة ترافق الافلام اللبنانية أخيرا في عدم الاستعانة بنجوم وأسماء معروفة، وبإدخال مقدمي البرامج السياسية والاجتماعية في صلب العمل. فبعد مارسيل غانم في «فيلم كتير كبير» لمير جان بوشعيا ووليد عبود في شريط زياد دويري «القضية رقم 23»، الدور الآن على الاعلامي جو معلوف الذي قاد الطفل زين الى المحامية نادين (لبكي).
الهوية الضائعة والفقر وزواج القاصرات وتجار البشر وأولئك الذين يفتحون أمواج البحر لابتلاع المهاجرين غير الشرعيين... سحبتنا لبكي الى عالم آخر تصلح فيه تسمية فيكتور هوغو «البؤساء».
شريط يطرق باب الإنسانية ويعرض لمشاكل العصر في مجتمعنا. غابت مناظر الرفاهية التي اعتدناها في المسلسلات اللبنانية خصوصا، وحضرت «فتافيت» بقايا الطعام في أمكنة لا يرتادها سوى البؤساء.
الطفل زين، بطل الفيلم الطفل المكتوم القيد وغير المسجل في الدوائر الرسمية والذي قدر عمره بـ 12 سنة بحسب تشخيص الطبيب الشرعي بعد الكشف على أسنانه، ذهب بعيدا في ادائه، ولم يبتسم إلا في المشهد الأخير عندما خاطبه شخص يقف وراء كاميرا تصوير فوتوغرافية: اضحك هذه ليست صورة لورقة نعي، بل لبطاقة هوية. هو نقطة الثقل والمحور والبطل المطلق رغم غنى الفيلم البصري والدرامي والموسيقي والتقني. هو اكتشاف نادين لبكي الذي تحسد عليه وعلى تعابير وجهه الصادقة. هل نحن أمام فيلم وثائقي؟ كل الأدلة تشير الى ذلك، وينتهي الشريط مع ولادة جديدة لزين الى عالم أفضل يتمناه كل معذب في الأرض.