نحن بين يدي السورة المكية التي مدارها العقيدة، وبيان فساد ما كان من حال الكافرين وفساد آرائهم ومعتقداتهم، جاء رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليبين الحق ويظهر النور وأن الله سبحانه وتعالى واحد أحد، فإذا أردت ان تعبد الله فإنك تسلك طريق الله عزّ وجلّ وطريق محمد صلى الله عليه وسلم. قريش كانت تؤمن بالله ولكنها أشركت به وقالت هناك آلهة يعينون الله - نسأل الله العافيةـ وهناك آلهة يوصلون أدعيتنا إلى الله عزّ وجلّ ـ للأسف نفس المفهوم الجاهلي ما زلنا نسمعه «نؤمن بالله ولكن نتقرب إليه بهذه الأمور».
ثم ذكر الله لنا عزّ وجلّ، مذكرا قريشا بأحوال الأمم الغابرة قال: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) تعمد وإصرار على ارتكاب الفاحشة والرذيلة، ولوطا كما تعلمون نبي الله عليه السلام عمه نبينا إبراهيم عليه السلام فهو ابن أخيه، أرسله الله الى سدوم وما حولها، هؤلاء القوم انقلبت مفاهيم الخلق عندهم، الفطرة انقلبت عندهم.
الشذوذ
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) يأتي الله تعالى بلمحة سريعة وقوية لقصة لوط عليه السلام مع قومه الذين انقلبت فطرتهم فأصبحوا يرون ان الرجال يأتون الرجال والنساء يستمتعن ببعضهن فأصبح عندهم هذا هو الطبيعي وهو الذي يجب على كل أفراد المجتمع بمن فيهم لوط وأهله أن يقبلوه، وهذا ما يحدث الآن، تطالبنا الأمم المتحدة به، ودولة الكويت حفظها الله وحماها ترفض التوقيع علىهذا، تلك المنظمة التي تدعي باسم الإنسانية وحقوق الانسان «جواز الشذوذ الجنسي» وهو ما لا ترضاه الفطرة ولا يرضاه العقل.
وكان جواب نبيهم الكريم (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) تجهلون حق الله عليكم تخالفونني وتخالفون الله وأتيتم بفعل لم يسبقكم إليه احد من العالمين.
(فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ذنب لوط عليه السلام أنه يدعو إلى الفضيلة وإلى الطهارة الأخلاقية والبدنية، ولكنهم يرفضون ذلك وأصروا على الفاحشة فما كان من الله عزّ وجلّ إلا أن أهلك قومه بعذاب لم يأت على أحد من العالمين.
النجاة الحقيقية
(فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ) مرة أخرى يؤكد الله عزّ وجلّ نجاة أنبيائه المؤمنين مهما حل العذاب من حولهم ويخبرنا الله أن نجاتك الحقيقية أيها الإنسان باتباع أمر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هنا الراحة، هنا النجاة، هنا سلامة القلب، وسلامة البدن والروح، هكذا الله ينجي اهل الايمان، لكنه قال عزّ وجلّ: (إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ) أي من الهالكين ايضا، وهي لم تأت بالفاحشة فعليا ولكنها كانت ترضى بها فإذا جاء اضياف رجال دلت عليهم وكان قلبها لا ينكر على المجتمع الفواحش. وهذا تنبيه اذا رضي الانسان بالفاحشة فإنه مشارك فيها. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه».
هلاك قوم لوط
(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) الحجارة التي جاءتهم من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، هلاك قوم لوط كان عذابا فظيعا رفع جبريل عليه السلام هذه القطعة من الأرض إلى السماء حتى سمع اهل السماء صياح ديَكهم ونباح كلابهم ثم قلبها (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) من أفعال الذم لأنهم لاقوا نبيهم بالجحود والنكران فانتصر الله عزّ وجلّ لدينه ولنبيه وهذا انذار لقريش التي تسمع القصص.
يقول الله عزّ وجلّ ملتفتا لنبيه الكريم آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم (قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) هذا تنزيه من الله لذاته العليا وحمدا لله وشكره الذي أنعم على عباده من النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى ومن هذه النعم ارسال الرسل وبيان الحق، وهذا الكتاب الذي بين يدينا حري بنا أن نتلقاه بالتصديق والإكرام.
هم الصفوة
(وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) هؤلاء المرسلون والأنبياء الكرام الذين اصطفاهم الله عز وجل، وهم أيضا يقول الثوري هم ايضا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلق ابن كثير ويقول ولا منافاة اي لا تعارض فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء أولى وأحرى هم الأساتذة وهؤلاء هم التلاميذ فهم الصفوة رضي الله عنهم أجمعين.
بعدما ذكر الله ما كان من أوليائه ورسله وكيف أنجاهم وأحل العقاب بالمخالفين والكافرين أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم ان يحمده على فعاله، فله الحمد سبحانه وتعالى، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.
وحدانية الله
ثم ختم عز وجل الآية منكرا على هؤلاء المشركين (أَاللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) هذا سؤال لا يتطلب جوابا، هذا سؤال تقرير وإنكار، كيف أيها الإنسان تصل بك الجرأة ان تشرك مع خالقك أحدا وتجعل له الملك من دون الله عز وجل، كيف اختلطت لديك المفاهيم؟
ألم تتعظ بقصص الأولين ولم تنظر في آثار الكون الشاهدة على وحدانيته عز وجل؟
التفكر في الآيات الكونية
(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) انظر إلى هذا الخلق العظيم أيها الإنسان، انظر في هذه السماء بأفلاكها وأجرامها ونجومها كيف أوجدها الله عز وجل ونحن الآن وقد فتح العلم لنا ما لم يفتح لغيرنا، نحن الآن نرى هذه المجرات ما لم تره عين بشر، فحري بنا أن نكون أكثر تصديقا وإيمانا بالله عز وجل عندما نرى الآن درب التبانة، هذه المجرة التي نحن فيها شيء عجيب، وهذه المجرة لا شيء في السماء وما تحوي من الأكوان، وما اكتشفه العلم من السماء الآن لا يصل إلى 20% من السماء الدنيا وبرغم ذلك فهذا الشيء أعجز كل شيء (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) انظر إلى هذه الأرض التي تسير عليها التي أتت حياتك فيها كيف هيأها الله عز وجل لك.
العبادة المنسية
يلفتنا الله تعالى في لمحات سريعة إلى آياته الكونية (وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) هذا المطر الذي ينزل الذي يغيث الأرض (فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) إذا دخلت حديقة وسررت تقول صدق الله الحدائق ذات بهجة، وإذا رأى الإنسان الخضرة والزهور تبتهج النفس ويسر الخاطر.
وأبواب التفكر في خلق الله من أبواب العبادة وأمنا عائشة رضي الله عنها تسميها العبادة المنسية، فالإنسان إذا تفكر في خلق الله لهذه السماء وكيف رفعت وفكر كيف خلقت الإبل وكيف سطحت الأرض، هذه كلها عبادة لله عز وجل، (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).