ربط الله بين الناس بروابط شتى ليكون لذلك مبعث توادّهم وتراحمهم، فهناك رابطة الإنسانية العامة التي تجعل البشر جميعا أسرة كبيرة تجمعهم نبوة واحدة، ورحم واصلة، وهذا يفرض عليهم أن يعيشوا متراحمين لا متزاحمين ومتعاونين لا متعادين (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات 13) وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه كما رواه أبوداود «اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا أشهد أنك الله وحدك لا شريك لك، وأنا أشهد أن العباد كلهم إخوة»، فتأتي رابطة الجوار وأثرها في الحياة العامة كبير فلا غنى للجار عن جاره، فقد يكون قريبك في النسب بعيد الدار، لا يخف لنجدتك، أما جارك الأدنى فهو تحت بصرك وسمعك، ومن هنا أوصى الاسلام برعاية الجار والإحسان إليه وجعله من علامات الايمان بالله واليوم الآخر.
وتكون رعاية الجار والإحسان إليه بزيارته إذا مرض والسؤال عنه اذا غاب وتقديم المعونة إليه اذا احتاج والمبادرة الى نجدته كلما ألجأته ضرورة، ومواساته اذا نزلت به مصيبة، كذلك تلبية دعوته ومشاطرته أفراحه، والاهداء إليه.
كما أن المؤمن الحق هو الذي يرعى حق الجوار استجابة لنداء الإيمان لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة رضي الله عنها وأخرجه الشيخان وأبوداود والنسائي: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره».
وقد قرن الله تعالى الإحسان الى الجار بعبادته فقال سبحانه (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ولكي يتوافر الاحسان في التعامل بين الجيران فإن الاسلام حذر من تعدي الجار على جاره أو ايذائه بأي صورة من الصور، فقد ورد أن رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال هي في النار.
جاء في الحديث النبوي الشريف «أتدري ما حق الجار؟ إن استعانك أعنته وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، واذا مرض عدته، وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته وإذا مات تبعت جنازته ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذه بقتار ريح قدرك الا أن تغرف له منها وان اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا تخرج بها ولدك ليغيظ به ولده»، فالإحسان المتبادل بين الجيران قاعدة إنسانية عامة تشمل اتيان سلوك حميد والبعد عن سلوك ذميم فإذا تحقق ذلك تحقق التواصل الإنساني الودود الدائم فما أحوجنا الى دعم أواصر العلاقة مع جيراننا تأسيا بتعاليم الإسلام.