دلال العياف
فاحت رائحة الفن الاصيل القادم من اليمن السعيد، مع غناء العدني والحضرمي هذين اللونين الغنائيين اليمنيين العريقين، اللذين تأصلا بالكويت واشتهرا بين الجمهور المحب لذلك الفن، والذي بدأ صيته يذيع قبيل حقبة السبعينيات وتغنى به الكثير ممن اثروا الساحة الفنية آنذاك، وفي كل حقبة يولع به فئة الشباب بالكويت، وكان لهم شغف بحفظه والتغني به لما له من كلمات تلامس القلب مباشرة، وتمثل الاقبال الشديد على ذلك الفن بأصوات لها قيمتها وثقلها في الديرة.
ولذلك الفن محبوه وفنانوه القدماء الاصيلون من اليمن أمثال محمد جمعة خان، كرامة مرسال وعبدالرب ادريس والكثيرين مع حفظ الالقاب لهؤلاء القمم الفنية الطربية العدنية، ولهذا الفن أساسيات، حيث يتميز بأربعة أوزان ايقاعية مثل المثولث أو الحكيمي، العوادي وايقاع هندي ووزن عادي.
وممن شدوا بذلك الطرب الاصيل مع مرور أربعة اجيال عدد كبير امثال الرواد راشد الحملي وحمد سنان واللذين اشتهرا بحبهما لهذه المدرسة ومحمد جمعة خان وابراهيم القطان ومشاري العريفان ويوسف المطرف وفاروق الفرحان وعلي الخليفي وجمال المجيم والكثيرين.
وفي ليلة راقية طغت عليها روح عدن بفنها وطربها وفي اروقة مركز الشيخ جابر الاحمد الثقافي تم تقديم امسية غنائية طربية حضرها جمهور سميع من اعلى طراز، شعرنا خلالها كأننا بين جبال شاهقة في ربوع اليمن ونحن نستمع لأحلى الاغنيات واللون الطربي العدني الاصيل، من فنان له جمهوره الخاص، وعشق ذلك الفن وتميز به ويقدمه بشجن فائق، فهو له اغانيه الخاصة بذلك اللون واحساسه طاغ جميل، وحضر الينا بعد أعوام طويلة من الغياب والابتعاد الفني عن الساحة الغنائية، وهو الفنان عبدالعزيز السيب والذي شعرنا بانه مشتاق لجمهوره الذي غمره بأحاسيسه تجاهه، وعلت الاصوات تناديه بأكثر من لقب وفاء لفنان اصيل.
السيب سحر الجمهور بأدائه وأثار المسرح بشجنه وبهدوئه وبأسلوبه الراقي، وبدأ الحفل بميدلي الكورال وبعدها قدم اغنية «لك الحمد» والتي تقول: «لك الحمد مني.. فاقبل الحمد.. انني بجودك والاحسان والفضل ذاكر.. لقد جدت انعاما علي ومنة.. وفضلا واحسانا فها انا شاكر.. وكل الورى من بحر جودك ناهل.. وانت لهم عند الشدائد ناصر»، واتبعها بأغنيته الرائعة الخالدة «بلغوها» من كلمات بشارة الخوري والحان السيب، وجاء في مطلعها: «بلغوها اذا اتيتم حماها.. انني مت في الغرام فداها.. واصحبوها لتربتي.. فعظامي تشتهي ان تدوسها قدماها.. واذكروني لها بكل جميل.. فعساها تبكي علي عساها»، وتفاعل معه الجمهور وزاد الحماس والتصفيق و«السلطنة»، ليلحقها بأغنية «املت وصل احبتي» والتي هزت الوجدات، وتقول: «املت وصل احبتي ما نلته ابدا... ومر العيش قد أوصلته - من منصفي من ظالم متحكم... يزداد ظلما كلما حكمته».
وواصل عبدالعزيز السيب إبداعاته وقدم اغنية «ترى كم» من ألحانه وكلمات بهاء الدين زهير والتي تقول: «ترى كم قد بدت منكم أمور عهدناها.. وعرضتم باقوال وما نجهل معناها..وكم جاءت لنا عنكم احاديث رددناها»، وبعدها قدم «بدر السماء» من كلمات القدير كامل الشناوي وألحان السيب، وفي مطلعها قال: «بدر السماء..هل رأيت بدري؟.. وكيف تلقاه وضي الثغر؟.. وهل تراه حافلا بأمري مقدرا لأدمعي وشعري؟».
وتوالت عراقة الفن بصوت السيب الشجي وشدا باغنية «انتظرتك» من كلمات عبدالامام عبدالله وألحان السيب، وتقول كلماتها: «انتظرتك والكون بلحظة غروب.. وانتظرتك وبدا شوي يذوب.. ليله كله مع نهاري ليما مل وقت انتظاري.. واثر انت عني في حالة هروب.. انتظرتك»، وقدم ايضا اغنية «يا ربة الحسن» من كلمات شمس الدين بن البديري، وغنى أيضا «هجرتك» و«ردت الروح» كلمات امير الشعراء احمد شوقي، وختم الحفل وسط تصفيق من الحضور الذين استمتعوا بليلة عالية من الطرب والرقي.