قال بنك بوبيان في بيان صحافي، ان وسائل التواصل الاجتماعي تناولت مؤخرا تسجيلا مصورا للدكتور نايف العجمي، وجه خلالها رسالة للهيئات الشرعية العاملة في البنوك الإسلامية وغيرها من الهيئات في الكويت، وذلك بعد صدور تعليمات بنك الكويت المركزي الأخيرة بشأن التمويل الشخصي للأفراد والتي صدرت بتاريخ 11 نوفمبر الماضي، وقد تناول جملة من الملاحظات الشرعية التي جزم فيها بالحرمة وحمل الهيئات الشرعية مسؤولية التصدي لتلك التعليمات وأنها من المنكر، (بحسب تعبيره في التسجيل المصور).
وأوضح البيان الصحافي ان البنك يعبر عن تقديره لحرص د.نايف العجمي على المسيرة المصرفية الإسلامية، وانه من باب إبداء الرأي الشرعي وإظهار الرأي الآخر في القضية الشرعية التي طرحها، فإن البنك ليس بصدد الرد أو الدفاع عن تعليمات بنك الكويت المركزي، فللبنك المركزي جهازه الخاص لتوضيح أهداف صدور تلك التعليمات، ولكن من باب التوضيح الفقهي لبعض القضايا الشرعية وتطبيقها في البنوك الإسلامية في الكويت المثارة في التسجيل المصور، فكان لهيئة الرقابة الشرعية في بنك بوبيان هذا التعليق والتوضيح:
القضية الأولى المشار إليها بالتسجيل:
تم الإشارة في التسجيل المصور إلى تعداد الصور المجمع على تحريمها بين الفقهاء، وهي من الربا الصريح، وهو ربا الجاهلية المحرم، وإدخال صورة قلب الدين، حيث ذكر أنها هي التي تنطبق عليها التعليمات الجديدة في البنوك الإسلامية سواء كانت المديونية حالة أم مؤجلة، وسواء أكان المدين موسرا أم معسرا.
رد هيئة الرقابة في «بوبيان»:
1- إن الصورة التي اتفق عليها الفقهاء والتي هي من ربا الجاهلة مسألة: «أنظرني وأزدك»، فقد روى الإمام مالك عن زيد بن أسلم أنه قال: «كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى أخذ وإلا زاده في حقه وأخر عنه في الأجل».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن ربا الجاهلية هذا: «وهذا هو الربا الذي لا يشك فيه باتفاق سلف الأمة وفيه نزل القرآن، والظلم والضرر فيه ظاهر» انتهى.
«مجموع الفتاوى» (20/349).
والحديث جاء في زيادة الدين نفسه بزيادة الأجل من غير معاملة، والصورة في قلب الدين التي تعتبر من ربا الجاهلة هي في نفس الدين الحال بزيادة الأجل، فتم قلب الدين بدين جديد مؤجل بزيادة، والتي يقول فيها الدائن «إما أن تقضي أو تربي» فيقلب عليه الدين بدين آخر وهو الربا المحرم بالاتفاق، وهذه الصورة غير مطبقة في البنوك الإسلامية، لا في الكويت ولا في غير الكويت.
فلا يقول فقيه بإجازتها ولا هي التي عنتها التعليمات الجديدة، وإطلاق التحريم على جميع الصور في قلب الدين كلام عام غير دقيق على الإجمال، حيث عدّد الفقهاء أكثر من ست صور لقلب الدين.
2- لقد تناول الفقهاء قديما وحديثا مسألة قلب الدين، وبالفعل فقد صدر في بعض صور مسألة قلب الدين قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقرار من المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، والناظر في هذين القرارين يجد ما يلي:
1- أن أصل المنع في قرار مجمع الفقه الإسلامي كان سدا للذريعة، بينما جاء في قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي أنه من صور الربا المحرم.
2- إن القرارين لم يفرقا بين صور قلب الدين المتعددة، بل شملا جميع الصور في الحكم وإن كانت في مصلحة المدين.
3- إن القرارين لم يفرقا بين ما إذا كان المدين معسرا أم موسرا، كما فرق الفقهاء، علما بأن الفقهاء فرقوا في الأحوال بينهما في كثير من الصور الفقهية.
4- إن مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، قد أوصى في آخر قراره بإعداد دراسات معمقة لاستكمال بقية المسائل المتعلقة بالموضوع وتطبيقاته المعاصرة.
ولهذا فنقول: إن قلب الدين من المسائل التي لا تتخذ شكلا واحدا، وإنما تتخذ صورا متعددة، يختلف حكمها باختلاف صورتها، لذلك كان من الصعب تحديد معنى قلب الدين بتعريف واحد، وإنما يمكن تحديد معناه بذكر الأمثلة والصور المتعددة له مع العلم بوجود الخلاف الفقهي في كثير من هذه الصور، حيث يسميه الحنفية ببيع المعاملة، والمالكية بفسخ الدين بالدين، وأما مصطلح قلب الدين فهو إطلاق الحنابلة، علما بأن قلب الدين قبل حلول الأجل جائز باتفاق الفقهاء وهو ما أكدته ندوة دراسات للقضايا المالية المعاصرة في ماليزيا عام 2014.
ولعل من أشهر الصور التي جرى فيها الخلاف حديثا هي الصورة التالية: إحلال دين جديد مؤخر محل دين سابق التقرر في الذمة بعد حلول أجله، من غير جنسه، أو من جنسه مع زيادة في القدر أو الصفة.
وهذه الصورة منعها جمع من العلماء، كما أجازها غيرهم بضابط عدم الإعسار، فقد قال الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب بعد أن ذكر قول الإمام مالك - رحمه الله - في منع قلب الدين: «وأما الأئمة الثلاثة أبوحنيفة والشافعي وأحمد، فيفرقون بين المليء الباذل والمعســـــــر، فالمعسر لا يجوز قلب الديـــــن عليه، والواجب إنظاره، قال الله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)، وأما المليء الباذل، فظاهر كلامهم جواز السلم إليه ولو أوفاه من الدراهم التي أسلمها إليه، إذا كان على غير وجه الحيلة.
الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع: عبدالرحمن النجدي 5/119وعلى الجملة فالصورة التي ذكرت في التعليمات الجديدة لبنك الكويت المركزي مقتضى ونطاق ما صححه الشافعية في مذهبهم، حيث ورد نص للإمام الشافعي رحمه الله في باب حكم المبيع قبل القبض وبعده، حيث قال: «لو أسلفه في طعام إلى أجل، فلما حل الأجل قال له: بعني طعاما بنقد أو إلى أجل حتى أقضيك، فإن وقع العقد على ذلك لم يجز، وإن باعه على غير شرط، فلا بأس بذلك كان البيع نقدا أو إلى أجل».
انتهى من كتاب الأم للإمام الشافعي.
وقال الماوردي: «وإذا أسلم إلى رجل في طعام فحل الطعام، فقال من عليه الطعام لمن له الطعام: يبعني طعاما مثل طعامك لأقضيك حقك بثمن حـــــال أو مؤجل، فإن عقد البيع على هذا الشرط كان باطلا، وإن لم يكن عن شرط في العقد صح البيع، وكان المشتري بالخيار، إن شــــاء قضاه ذلك الطعام، وإن شاء قضاه من غيره».
الحاوي الكبير شرح مختصر المزني، للماوردي 5/235.
وهذه النصوص تبين أن العقد الثاني إذا لم يشترط فيه سداد الدين الأول، فلا بأس به عند الشافعية، وهو ما يعبر عنه اليوم بعدم ترابط العقدين بعضهما ببعض، وهو الذي تشترطه الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية لصحة هذه المعاملة، علما ان التعليمات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي قد جعلت إمكانية إعادة ترتيب شروط التعاقد مع العميل بناء على طلبه، فهو أمر اختياري وليس إلزاميا على البنك.
وقد جاء في التطبيق العملي من فتاوى الهيئات الشرعية المعاصرة (منها: قرار صادر من الهيئة الشرعية لبنك بوبيان في الكويت، محضر الاجتماع 4/2008، وبنك البحرين الإسلامي، محضر الاجتماع رقم 17-1/2009، والهيئة الشرعية لشركة الامتياز محضر اجتماع اللجنة التنفيذية 1/2009 في الكويت، الفتاوى المصرفية الصادرة عن الهيئة الشرعية لبنك المؤسسة العربية المصرفية ص 135، الهيئة الشرعية لبنك الكويت الدولي فتوى رقم 34.)
ما يبين اختيار جواز هذه المعاملة، حيث أجازت كثير من الهيئات الشرعية تجديد عقود المرابحات والوكالات الاستثمارية إذا كانت المؤسسة المالية الإسلامية دائنة، إلا أنها وضعت شروطا وضوابط لذلك، منها:1- أن تنظر الدائن إلى أجل من غير زيادة ما أمكن ذلك.
2- أن توجه العميل أن يجد وفاء دينه من مصادر أخرى مشروعة، وأن يتمول من طرف آخر لتسديد الدين.
(وليس اشتراطا من جهة ثالثة ولكن من باب التوجيه).
3- أن تكون المعاملة الثانية منفصلة تماما عن الدين الأول، فلا يراعى فيها المدة والمبلغ سابقا.
4- أن يمكن العميل من مبلغ التورق قبل سداد أي مستحقات سابقة.
5- إذا أمكن تسييل الضمان لاستيفاء الدين، فهو أولى من إجراء معاملة أخرى.
6- أن يتم سداد جزء من أصل المديونية حتى لا يتساوى الدينان.
القضية الثانية المشار إليها بالتسجيل:
تم ذكر مسألة السداد المبكر، وأنه ملازم للربا الممنوع شرعا دون إشارة للخلاف بين الفقهاء.
رد هيئة الرقابة في «بوبيان»:إن مسألة السداد المبكر قضية فقهية قديمة مشهورة ومتجددة، حيث اختلف الفقهاء فيها قديما وحديثا وتسمى بمسألة «ضع وتعجل»، ومن باب المعرفة فقد ذهبت المذاهب الأربعة إلى منعه إن كان باشتراط، وقال غيرهم من الفقهاء بالجواز ولو بالشرط، أما بغير اشتراط فأكثر الفقهاء على جوازه فيما نعلم.
وقول الجواز هو رواية عن أحمد، ونسب ابن رشد وابن القيم القول بجوازه إلى ابن عباس وزفر من الحنفية، والقول بالجواز هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قال في الاختيارات: (ويصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالا، وهو رواية عن أحمد وحكي قول للشافعي)، واختار هذا القول أيضا ابن القيم وقال: (لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن الربا الزيادة، وهي منتفية ها هنا، والذين حرموا ذلك قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: (إما أن تربي وإما أن تقضي)، وبين قوله: (عجل لي وأهب لك مائة) فأين أحدهما من الآخر فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيحا.
إعلام الموقعين عن رب العالمين ج2 ص267.
وبناء عليه فإن هذه المسألة مما اختلف فيها الفقهاء، واختيار أحد القولين لا يعني الحكم بعدم شرعية القول الآخر، والحكم بصورية البنوك الإسلامية ومحاكاتها للبنوك التقليدية بسبب اختيار هذا القول الفقهي.
وتأسيسا على ذلك المبدأ ـ من قبول القول الفقهي ولو كان لغير الجمهور من الفقهاء ما دام صادرا ممن يعتد بقوله وإمكان العمل به في باب المعاملات من باب التيسير والمصلحة الراجحة ـ ما جاء في التطبيق المعاصر من اختيار كثير من الهيئات الشرعية للأخذ بالوعد الملزم مع أنه قول لبعض الفقهاء، وغدا هذا القول هو المعمول به حاليا لدى جميع المؤسسات المالية الإسلامية دون اعتراض.
القضية الثالثة المشار إليها بالتسجيل:
ما ذكره الفقهاء في مسألة: إذا حكم ولي الأمر بحكم عام في مسألة مختلف فيها بين العلماء على قول من الأقوال سواء بالجواز أو المنع أو الصحة أو الفساد، فهل يكون حكمه ملزما رافعا للخلاف في المسألة؟وقد تكلم الفقهاء في ذلك وفصلوا صور المقبول والممنوع، وإجمالا فقد ذهب ابن تيمية إلى المنع على الإجمال، وأجاز ذلك غيره من العلماء، قال القرافي في الفروق: «حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء، فمن لا يرى وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحة وقفه ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه. (2/103)
كما جاء في المجلة العدلية أيضا: فإذا أمر إمام المسلمين بتخصيص العمل بقول من المسائل المجتهد فيها تعين ووجب العمل بقوله.
ومن المسائل المعاصرة التي حسم ولي الأمر فيها الخلاف مسألة: الطلاق ثلاثا إذا وقع بلفظ واحد وفي مجلس واحد، فقد ذهبت كثير من قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية بالأخذ به مع أنه قول على خلاف قول المذاهب الأربعة، وكذلك القول بالوصية الواجبة وكان هذا الاختيار لمصلحة يراها ولي الأمر، فالأخذ بهذا المبدأ عند وجود المصلحة لا إشكال فقهيا فيه بشرط عدم مصادمته نصا محكما سواء من الكتاب أو السنة، والخلاف في مسألة «ضع وتعجل» قديما وحديثا يؤكد على عدم الإجماع فيها، وهو مما يسوغ اختيار ولي الأمر فيه لأحد القولين مما يحقق مصلحة راجحة، خصوصا وإذا علمنا أن التعليمات الجديدة نصت على حالات خاصة تم تقدير المصلحة فيها بالأخذ بهذا القول الآخر.
القضية الرابعة المشار إليها بالتسجيل:
القول بإطلاق وعلى العموم بأن الرضا والقبول بالحيل يعدم الفروق بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية.
رد هيئة الرقابة في «بوبيان»:
إن الواقع الذي تعيشه البنوك الإسلامية ليس مجالا يسهل فيه التنافس لتحقيق القدر المقبول من الالتزام الشرعي، حيث بلغ حجم الأصول في البنوك الإسلامية في جميع العالم مقارنة مع التقليدية ما يقارب 1.80% بالنسبة لحجم أصول البنوك التقليدية، مما يجعل الأخذ بمبدأ المخارج الشرعية مقبولا، وذلك من باب التشجيع لهذه التجربة المصرفية الإسلامية لأن تنمو، وهو أولى من تعطيل الفكرة بسبب اختيار أقوال فقهية لم يقل بها جميع الفقهاء، وقد نص الفقهاء قديما وحديثا على جواز المخارج الشرعية بضوابطها الشرعية، وعليه فالحيل والمخارج الشرعية ليست كلها ممنوعة، فعن عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر هكذا؟»، قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا» متفق عليه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل أن يتوسط إلى ما أراده من أخذ الجيد بالرديء بالطريق المشروع في الأصل، وهو أن يبيع الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرا جيدا، وهذه الواسطة حيلة، فهي لا تتخذ لذاتها، إنما تتخذ لغرض آخر توقف نيله عليها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها مما يدل على جواز الحيل المشروعة التي يتوصل بها لمشروع بوسيلة مشروعة.
وختاما نقول: فإنا قصدنا من هذا التوضيح الفقهي بيان المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتقنا وهي أمانة نعمل جاهدين للوصول للرأي المحقق لشرعية المعاملة في ضوء مبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية الغراء، ولم يكن هدفنا من هذا البيان فتح سجالات فقهية متنوعة أو ردود غير منتهية من الأطراف المعنية، ولكنا أردنا إثبات سعة الاختلاف الفقهي وتنوع الآراء الفقهية المحققة للمصلحة الشرعية المرجوة، والله الهادي إلى سواء السبيل.