مازلنا بين يدي السورة الكريمة التي أنزلها الله تعالى على نبيه الكريم في أحلك الأوقات، وقت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وكان حزينا لفراق مكة فأنزل الله تعالى هذه السورة تطمينا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن وعده سيتحقق كما تحقق وعد الله لموسى، فالله عز وجل يثبت نبيه صلى الله عليه وسلم بقصص الانبياء من قبله، وعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب ويثق بوعد الله تعالى.
الكتاب نزل منجماً
(ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون) لم ينزل الله القرآن دفعة واحدة وإنما أنزله منجما حتى يكون ذلك أهدى للناس وأسرع لاستجابتهم، ولكن واجهوا الكتاب بالكفر، وفي المقابل نجد المؤمنين آمنوا بما كان عندهم من التوراة والانجيل واتبعوا نبي الله. والله يسوق القصص لهم ليستفيد منها المؤمنون وتكون عبرة أما غيرهم فلا يعبأ الله بهم وليس فيها نور وهدى.
أهل الكتاب وأهل الخبرة
(وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا.. الآية) وصفهم الله تعالى بأنهم من مشكاة واحدة، موافقتهم لرسل الله ومطابقتهم لما ذكر في الكتاب واشتماله على الأخبار الصادقة والأوامر والنواهي الموافقة للحق. وقد تختلف الشرائع لكن التوحيد واحد، يبشرهم الله بأنهم يؤتون أجرهم مرتين آمنوا بما عندهم فأخذوا أجر ذلك ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأخذوا ايضا أجر ذلك.
فضل الصبر
(بما صبروا) على الحق وعلى جحود الكافرين، صبروا في أحوالهم وصبروا في مواجهة أزماتهم وفي الثبات على طاعة الله، وصبروا على المعصية، وصبروا على العمل وعلى الإيمان ومن خصالهم الفاضلة التي هي من آثار إيمانهم أنهم (ويدرأون بالحسنة السيئة) أي طريقتهم الإحسان لكل أحد حتى المسيء اليهم بالقول والفعل، فالمؤمن يعامل العباد من أجل رب العباد فهم يراعون الله في كل احوالهم. فالإيمان ليس فقط ان تعبد الله بل الإيمان في أقوالنا وافعالنا وهذا باب عظيم للصدقات.
عباد الرحمن
(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه.. الآية) أول طرق مزالق الشيطان استفزاز من أمامه، وهؤلاء لا يثارون فإذا سمعوا اللغو أعرضوا وعلموا ان هذا فعل من الشيطان فكل ما كان لغوا بجميع اشكاله يتركونه لأنهم اصحاب رسالة، هؤلاء موعدهم مع الله يريدون ان يقابلوه وقد استغلوا كل لحظة في الحياة وهم يركزون على هدف لقائه عز وجل والاعراض عن اللغو والكلام الذي لا فائدة منه، ويقولون (سلام عليكم) مازالوا يريدون الخير بالآخرين.
البلسم
ثم ينتقل الله، عز وجل، إلى نبيه الكريم بقوله (إنك لا تهدي من أحببت.. الآية) هذه الآية بلسم على قلب رسول الله، فقد كان قلبه صلى الله عليه وسلم يتقطع ألما على كفرهم. ولكن خيار الهداية راجع للإنسان نفسه إذا أراد الهداية أخذ الله بيده، فتذكر أيها الإنسان انك تحت مشيئة الله لا تخرج عن طاعته وأنت تحت رحمته، والله أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه ومن لا يصلح لها فيبقيه في ضلاله. (وهو أعلم بالمهتدين) هذا الهدى الخفي الحقيقي الذي يفصل المؤمن عن الكافر ولهذا لو كان قادرا عليها لهدى من وصل إليه إحسانه ونصره ومنعه من قومه وهو عمه أبوطالب، ولكنه أوصل إليه الاحسان بالدعوة للاسلام والنصح ولكن الهداية بيد الله.
حجج باطلة
يخبر الله ان المكذبين من قريش وأهل مكة يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) بالقتل ونهب الاموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك فلو تابعناك في معاداة الناس كلهم لم يكن لنا بهم طاقة وكان هذا من سفاهة قريش ومن حججهم الباطلة.
مكان آمن
يبين الله عز وجل لهم حالة اختصهم بها دون الناس فقال: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا) جعل الله هذا المكان آمنا ليس لهم أي يد فيه. فهم ممكنون في حرم يكثر الزائرون إليه من كل مكان وما تمنى الإنسان من طعام في مكة إلا أتاه، فإياك أن تظن أيها الإنسان ان الرزق من عندك (من لدنا) للعظمة فإذا لم تعرف ان الخير الذي انت فيه من الله فانظر إلى التاريخ البشري.
عاقبة البطر
(وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها.. الآية) توعدهم الله بما فعل بالأمم السابقة فرحوا بالنعم لدرجة أنهم نسبوا كل شيء لأنفسهم وأنكروا أن الخالق هو الذي من عليهم بها فتكبروا فأهلكهم الله وأزال عنهم النعمة وأحل بهم النقمة.
عدل الله عز وجل
يخاطبنا الله بربوبيته ويقول لنبيه (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا... الآية) بعد ان بين الله عز وجل الهلاك عاد علينا بعدله وارشدنا بفضله الى هذه الرحمة، ومن حكمته ورحمته الا يعذب الامم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل اليهم، فالله لا يعذب احدا إلا بظلمه وبعد إقامة الحجة عليه.
القيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء