- يوسف المرزوق: يساعد في تقليل النفقات ولا يمهد أبداً لإغلاق الصحف الورقية
- وليد النصف: ندرس تحديد مقابل مادي لنسخة الـ«بي دي إف»
- ماجد العلي: الصحف الورقية تتماشى مع زيادة الانتشار الإلكتروني
ترك الاحتجاب الجزئي لصحف كويتية ورقية الباب مشرعا أمام تكهنات بما إذا كان ذلك استراحة محارب لالتقاط الأنفاس قبل مواصلة صراع البقاء، أم بداية الطريق للحاق بركب مطبوعات عالمية انسحبت أمام تألق غريمتها الإلكترونية.
فبينما قال معنيون بالشأن الإعلامي في تصريحات متفرقة لـ «كونا» إن القرار الجماعي لصحف «الأنباء» و«القبس» و«الراي» و«الجريدة» بالاحتجاب يوم السبت أسبوعيا هو إجحاف برغبة القراء المرتبطين بالنسخة الورقية وتهديد لما درجوا عليه من طقوس قرائية اعتبره إعلاميون آخرون خطوة مستحقة تأخرت كثيرا.
واستند أصحاب الرأي الأخير إلى تأثر صحف عالمية وعربية خلال العقد الماضي بالثورة الرقمية ومنها صحيفة كريستيان ساينس مونيتور التي أوقفت نسختها الورقية في 2009 بعد انخفاض توزيعها إلى 200 ألف نسخة مقابل أكثر من مليون مستخدم لموقعها الإلكتروني.
وفي مقابل ذلك أرجع المتحمسون للنسخة الورقية اهتمامهم بها إلى الدفاع عن النمط التقليدي للحياة بعيدا عن تغول وسائل الإعلام الجديدة وتغييرها للأنساق الاجتماعية السائدة، ناهيك عن سهولة تدارك الأخطاء الكارثية في النسخ الورقية بعكس نظيرتها الإلكترونية.
حول هذا الموضوع، أكد رئيس تحرير «الأنباء» الزميل يوسف خالد المرزوق أنه «لا تأثير للاحتجاب في عدد القراء لأن أغلب جهات الدولة من حكومة وقطاع خاص ستكون في إجازة أيضا»، نافيا نفيا قاطعا أن يكون قرار الاحتجاب تمهيدا لإغلاق الصحف الورقية، ومشددا على أن «الهدف هو تقليل النفقات كون العالم بأكمله يمر بأزمة اقتصادية ملموسة من جميع الجهات».
ترشيد التكاليف
بدوره، قال رئيس تحرير «القبس» الزميل وليد النصف إن «الدافع اقتصادي 100% لترشيد التكاليف»، مبينا أن «الصحف اتفقت على وجود صعوبات في منافسة الوسائل الإلكترونية» بالإضافة إلى «تأثرها بالإعلانات والوضع الاقتصادي»، ولأجل ذلك «رأت أن تحتجب يوما» للتغلب عليها.
ورأى النصف أن قرار الاحتجاب «قد يعطي العاملين في الصحف فرصة للراحة وتاليا مزيدا من الإنتاج وفي الوقت نفسه يوفر نسبة من التكاليف وهذا إجراء معمول به في أميركا وأوروبا وكل أنحاء العالم حيث تكون للصحف طبعة واحدة يومي السبت والأحد».
وعما إذا كان الاحتجاب مقدمة لموت الصحافة الورقية، ذكر أن «هناك تقريرا أميركيا يتوقع عدم وجود أي صحيفة ورقية في سنة 2032 وأنا أقول إنه ربما خلال تلك الفترة قد تظهر عوامل تحول دون ذلك».
وأضاف: «خطتنا الوحيدة الآن تقوية الجانب الإلكتروني في الجريدة ولدينا استثمارات كبيرة في هذا المجال وسنستقطب المزيد من القراء».
وعن سبل مواكبة المتطلبات العصرية للقراء، قال «إن المحتوى يجب أن يكون عصريا مميزا فالقارئ تطور كثيرا واعتاد السرعة والاختصار لذا علينا أن نلبي رغباته».
وذكر أن «هناك تجارب أميركية وبريطانية وفرنسية في كيفية تطوير الموقع الإلكتروني للصحف الورقية ليجذب القراء الذين فقدتهم في النسخة الورقية وهذا يحتاج إلى استثمارات كبيرة جدا وبالنهاية نحن لن نترك المواقع الإلكترونية مجانا بل سنجعل القارئ يدفع ثمنا بسيطا».
وفيما يخص خدمة بث نسخة من الجريدة بصيغة «بي دي إف» إلى القراء عبر (واتساب) مجانا كشف النصف أن «هذا لن يستمر وإن استمر فسيقتصر على لقطات من الجريدة ومن يرد النسخة كاملة فعليه أن يدفع اشتراكا بسيطا». وبسؤاله عن موعد تحصيل مقابل مادي لمثل هذه الخدمات الإلكترونية، قال «عندنا دراسة نعدها ونعرضها على الصحف الأخرى فلا نستطيع فعل ذلك بمفردنا وهناك صحف رحبت بالدراسة التي نقوم بها» في هذا الشأن.
آلية قديمة
وفي تحليل لرئيس تحرير جريدة «الراي» ماجد العلي لقرار الاحتجاب الجزئي، بين أن «الصحف كانت تحتجب يوم الجمعة سابقا واليوم عادت إلى هذه الآلية التي تعمل وفقها أيضا كبريات الصحف العالمية».
ورأى العلي أن «الاحتجاب لن يؤثر سلبا من ناحية عدد القراء خصوصا أن الصحف كافة لديها مواقع إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل وستستمر في تقديم الخبر للقارئ والمتابع على مدار الساعة».
وعلق على الصراع الورقي- الإلكتروني بالقول: «إن الصحف الورقية تتماشى مع زيادة الانتشار الإلكتروني والدليل أن مواقع التواصل تنقل أخبارا كثيرة عن الصحف التي مازالت تتمتع بمصداقية وموثوقية لدى الجمهور».
وأفاد بأن «كل الدراسات العالمية في 2018 أكدت أن المنافسة في المصداقية بين الورقي والإلكتروني حسمت لمصلحة الورقي الذي يغربل الخبر ويتأكد منه قبل النشر بعكس الوسائل الأخرى التي تعتبر سرعة بث الخبر أهم من مضمونه أو مصداقيته، ولكننا لا يمكن أن ندفن الرأس في الرمل أمام تقدم الواقع الإلكتروني غير أن التكامل الذي تقدمه المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل «الراي» يمكن أن يحقق الربط المطلوب بين مصداقية الخبر وسرعة بثه وجودة مضمونه».
وبالتطرق إلى التحديات التي تواجه الصحف الورقية، قال: «إنها أمام تحديات دائمة وليست جديدة ولهذا فإن الاستمرار موجود وقائم مادامت القيمة التي تقدمها هذه الصحف موجودة خصوصا لجهة الأخبار الحصرية والقيمة المضافة التي تقدمها للقارئ على الأخبار وتسليط الضوء على كل ما يهم الجمهور».
وأرجع العلي الاحتجاب في جانبه الأكبر إلى «أسباب مادية تتعلق بتراجع المدخول الإعلاني وزيادة النفقات»، لافتا إلى أن «هذا التراجع موجود على المستويات كافة وليس في الصحف الورقية فقط فهو متعلق بالوضع الاقتصادي العام وهناك شركات كبرى تأثرت وتراجع أداؤها بسبب ذلك، كما أن انخفاض الإعلانات يسري أيضا على المستوى الإلكتروني».
وذكر أن «الصحف تعاني منذ سنوات لكنها استمرت رغم الخسائر والوقت حان لإعادة ترتيب الأمور وفق ما اتفق عليه أصحاب الصحف».
ونبه العلي إلى أن «الصحف الورقية لاتزال تحافظ على ريادتها الإعلانية لدى العلامات التجارية العالمية بسبب موثوقيتها وانتشارها في المجتمع الكويتي خصوصا» مدللا على ذلك بـ«إعلانات في الصحف الورقية تتبع مواقع التواصل ما يبين إيمان هذه المواقع نفسها بتأثير الصحف لدى فئة كبيرة».
خطوات جريئة
وفي السياق ذاته، ومع إقراره بأن الصحف الورقية بدأت تواجه أزمات مالية حادة في الآونة الأخيرة رأى مدير تحرير جريدة (الجريدة) ناصر العتيبي أن قرار الاحتجاب الجزئي لصحف الكويت لا يمثل إرهاصة بانتهاء عصر الصحافة الورقية قريبا، معتبرا أنه «من السابق جدا لأوانه أن نتكلم عن إغلاق الصحف في الكويت لاسيما أنها تتخذ خطوات جريئة في محاولات جادة وحثيثة للحؤول دون ذلك».
ولفت العتيبي إلى أن «الجريدة» ستعمد خلال الفترة المقبلة إلى «تطوير نسختها الورقية لتضم إلى جانب الأخبار مزيدا من التحليلات والتقارير والمقابلات والتحقيقات» مواكبة للمنافسة الحادة الإلكترونية التي تواجهها فضلا عن التحديات الحالية والمستقبلية.
وتعكس الزيادة الضخمة في عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي الأثر المتعاظم للثورة الرقمية في خصائص شريحة القراء فوفق دراسة نشرها مركز الجزيرة للدراسات في 2016 عن الصحافة الورقية العربية للدكتور معز بن مسعود تضاعف عدد هؤلاء المستخدمين 5 مرات ما بين عامي 2007 و2015 فأصبح 140 مليونا مقابل 29 مليونا فقط في 2007.
وفي هذا السياق، أكد الإعلامي وليد الهولان أن «الصحف الورقية تمثل لدى شريحة كبيرة وخصوصا كبار السن طقسا يوميا لا يمكن الحياد عنه»، لافتا إلى ميزة تنافسية للصحف الورقية تتمثل في «سهولة تدارك الأخطاء الكارثية في مرحلة ما قبل النشر حيث يمر الخبر بكثير من المراحل لكشف أي عوار تحريري أو معلوماتي قبل وصوله إلى القراء».
وما اعتبره الهولان ميزة للصحف الورقية في مرحلة ما قبل النشر، قوبل بذكر الإعلامية حنان الزايد ميزة مناظرة للصحف الإلكترونية في مرحلة ما بعد النشر إذ بينت «سهولة تدارك هذا النوع من الأخطاء بعد النشر في الصحف الإلكترونية بلا أي خسارة مادية بعكس النسخ الورقية التي يستحيل تصويب أي خطأ بعد الطبع إلا بخسارة مادية لا يستهان بها».
قرار متأخر
ومؤيدا خطوة الاحتجاب، رأى رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة الكويت د.مناور الراجحي أن «حجب الصحف يوم السبت من كل أسبوع أتى متأخرا سنتين أو ثلاث» متوقعا أن «تزيد فترة الاحتجاب خلال عام أو عامين لتشمل يومي الجمعة والسبت».
وفي إشارة إلى الدوافع الاقتصادية وراء الاحتجاب ولفت إلى أن «نحو 70% من النسخ الورقية للصحف يوزع على الهيئات والوزارات والبنوك عبر اشتراكات حكومية أو تجارية»، كما أن «المعلن أصبح يحجم عن الإعلان أيام الإجازات» ولذلك كان على أصحاب الصحف «وقف الصدور خلالها توفيرا للنفقات بدلا مما شهدناه خلال السنوات الخمس الماضية من استغناء عن كفاءات كانت تضمن جودة المحتوى».
كما جاء رأي الإعلامي عبدالله بوفتين ضمن المعتقدين بتأخر خطوة الاحتجاب كثيرا معتبرا إياها «استسلاما من الصحف الورقية للأمر الواقع بما فيه من وسائل حديثة توفر محتوى متطورا ذا مزايا متعددة أهمها الجانب التفاعلي».
مظهر اجتماعي
كما قرأ الإعلامي عبدالوهاب العيسى في احتجاب صحف كويتية «رسالة غير مباشرة مفادها: نعم تأثرنا نتيجة الثورة الإلكترونية ولم نعد نستطيع الصدور طوال أيام الأسبوع». وقدر العيسى انخفاض عدد صفحات الصحف «بما يعادل 70% دون أن يشعر الجمهور» مستنتجا من ذلك «عدم اهتمام القراء بالصحف الورقية».
وعما إذا كان ذلك تمهيدا لإغلاق الصحف الورقية في المدى القريب لعدم جدواها الاقتصادية، قال «إن الصحف الكويتية مظهر اجتماعي لمالكيها وتعتمد على دعمهم ولا تقوم على حساب الإيراد والدخل الدوري والمكسب والخسارة» متوقعا أن، تستمر الصحف الورقية فترة ليست قصيرة مع تغيير سياستها في الصدور لتصبح أسبوعية أو حتى شهرية.
وتأكيدا على أهمية الصحافة الإلكترونية مقابل المطبوعة، قال الأديب والباحث السياسي د.محمد البغيلي «إن الانتقال إلى الصحافة الإلكترونية الآن يعزز مسيرة التطور الإنساني بشكل عام ويرفع من مستوى الوعي لدى الأفراد ويجعل المعرفة أكثر تكاملا والأخبار أكثر مصداقية من خلال تدعيمها بالوسائط المرئية والمسموعة».
وفي السياق ذاته، لفت أمين سر اتحاد الإعلام الإلكتروني الكويتي محمد العرادة إلى أن «الاحتجاب سيؤثر سلبا على الصحافة الورقية من حيث عدد القراء» معتبرا إياه «توطئة لإلغاء الصحافة الورقية في المستقبل القريب» لاسيما مع «اهتمام أغلبها بدخول عالم الإعلام الإلكتروني بينما لم نر أي صحيفة إلكترونية تتخلى عن نسختها الرقمية لتدخل العالم الورقي».