نحن بين يدي سورة العنكبوت، وكما قلنا: إنها سورة بين الله عز وجل فيها حقيقة الدنيا، وانها دار ابتلاء وامتحان، ويبين الله تعالى فيها سنته الكونية، وحال المؤمن وحال الكافر، كما بينها في سورة القصص، ومهما كان الظلام حالكا الا ان نور الحق يسطع، وقد بدأت السورة بالعجب من أحوال الكافرين الذين يدعون الايمان ونسوا ان الله تعالى لا يخفى على علمه شيء، ويخبرنا الله عز وجل عن احوال الفتن، فهناك من يفتن في بيته، او في مجتمعه، او في صحته وماله، أو في الدنيا بأكملها، ومن هذه الفتن فتنة الدين.
بروا والديكم
قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) في هذه الآية الكريمة أمر رباني من الله عز وجل، وهو الوصية بالاحسان الى الوالدين، وقد يفتن الانسان بوالديه حيث يكون على اسلام وهما على كفر وذلك ما حدث لسعد بن أبي وقاص الذي نزلت فيه هذه الآية.
فقد حلفت ام سعد ألا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب وقالت: زعمت ان الله أوصاك بوالديك وانا أمك وآمرك بترك دينك، فانزل الله تعالى الآية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد ضرب الله المثل بالأم وهي أعلى مراتب البر في الاسلام.
(وان جاهداك) وهذه فتنة عظيمة ان يكون في بيته من يدعو للكفر والله يأمر ببر الوالدين ولكن طاعة الله مقدمة على كل شيء.
أمنية كبرى
ثم بشر الله عز وجل المؤمنين الصالحين (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) اي من آمن بالله وعمل صالحا فان الله وعده ان يدخله الجنة وهذه امنية كبرى لكل مؤمن ان يدخل الجنة مع عباد الله الصالحين من النبيين والصديقين والشهداء، فبالإيمان الصحيح والعمل الصالح يدخله الله الجنة.
المؤمن والمنافق
كل أذى من الناس اذا صبرت عليه أهون من عذاب الله (ومن الناس من يقول آمنا بالله فاذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله... الآية) لما ذكر عز وجل ان من ادعى الإيمان لابد ان يمتحن ليظهر الصادق من الكاذب، بين تعالى ان من الناس فريقا لا صبر لهم على الفتن والمحن، فاذا جاءت الشدة أرضوا الناس واذا جاء الرخاء قالوا: انا كنا معكم.
يعجب الله عز وجل من حالهم فيقول: (أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) الله تعالى عالم بما في نفسك لكن الله يأتي بالفتن ويأتي بالنصر ويأتي بالخسارة ليبين من المؤمن الحقيقي ومن المنافق المعتدي.
افتراء الكفار
يقول الله عز وجل مبينا احوال الكافرين (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم.. الآية) الدعوة الى الكفر ستظل باقية الى يوم القيامة، والصراع بين الحق والباطل باق (اتبعوا سبيلنا) من ذلك حقوق الانسان، الزنا، الخمر وغيرها، وهذا على سبيل التحضر والرقي كما يدعون، ولكنها كلمة قديمة هي كلمة أهل الكفر.
يطلب فيها الكافرون من المؤمنين ان يتركوا دينهم او بعضه ويتبعوهم (ولنحمل خطاياكم) وهذا الأمر ليس بأيديهم.
قال تعالى (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء) لا قليل ولا كثير.
ثم بين الله حالهم (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) فوق وزرهم اوزار، من دعا الى ضلالة كان له نصيب من الاثم، فالذنب الذي فعله التابع والمتبوع كل منهما له حصة منه لأنه فعله والمتبوع تسبب في فعله ودعا له.
عقوبة المكذبين
(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) الله ارسل رسوله نوحا عليه السلام الى قومه يدعوهم الى التوحيد وإفراد الله بالعبادة والنهي عن اتخاذ الانداد وعبادة الاصنام، يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهرا فلم يهتدوا، بل استمروا على كفرهم حتى دعا عليهم نبيهم نوح عليه السلام مع شدة صبره واحتماله وحلمه فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا)، (فاخذهم الطوفان) هم الذين ظلموا انفسهم بالكفر ومخالفة أمر الله فانزل الله الماء من السماء بكثرة ونبع من الأرض بشدة وهم ظالمون مستحقون العذاب.
قانون الله وسنته
(فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) قانون الله هلاك الكافر ونجاة المؤمن، أنجاه الله ومن آمن معه وجعل هذه السفينة آية في ذاتها يعتبرون بها رحمة من ربهم الذي سبب لهم أسبابها وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من مكان الى مكان.
عبادة الله وتقواه
ولما ذكر الله عز وجل قصة أبي الأنبياء نوح عليه السلام ذكر إبراهيم عليه السلام وهو أيضا في مكانة مكرمة وجعل في ذريته النبوة، فقال: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).
يذكر تعالى انه أرسل نبيه إبراهيم عليه السلام الى قومه يدعوهم الى الله أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة لأن عبادة الله وتقواه (خير لكم) من تركها ولا خير في ذلك الترك، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس لأنه لا سبيل الى نيل رضا الله في الدنيا والآخرة إلا بذلك وكل خير يوجد في الدنيا والآخرة فإنه من آثار عبادة الله وتقواه.
المتفرد بالتدبير
(إنما تعبدون من دون الله أوثانا.. الآية) هؤلاء لا يملكون لكم شيئا ينفع أو يضر وليس لديهم رزق ولا خير ولا صحة ولا أي شيء، أمرهم الله عز وجل بعبادته ونهاهم عن عبادة الأصنام وبين لهم عدم استحقاقها للعبودية وأن الله عنده الرزق (فابتغوا عند الله الرزق) جاء بالتعريف الى كل أنواع الرزق بأنه بيد الله وحده (فاعبدوه واشكروه) اعبدوه وحده لا شريك له لأنه النافع، واشكروه وحده على نعمه ومننه ودفعه للنقم. (إليه ترجعون) فيجازيكم على ما عملتم.
عبادة التفكر
ثم جاء التحذير: فإن تكذبوا فقد كذبت مم من قبلكم، فعلى الإنسان أن يتعظ ويعتبر (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) فإنكم ستجدون أمما من الناس تتجدد شيئا فشيئا وهي مستمرة في تجددها والذي خلقها وأعادها هو الله عز وجل، فعلينا عندما نمر بهذه الآثار التي وقع فيها عذاب الله ان نمر باكين وننظر نظرة المعتبر، فالتاريخ شاهد على هلاك الكافر، إن لم تؤمن بآيات الله الشرعية أفلا تؤمن بآيات الله الكونية؟ ولماذا يقول الله عز وجل انظروا؟ لتحيا قلوبنا وترى قدرة الله تعالى وتدبير هذا الكون، إنه مدبر هذا الكون أفلا يدبر أمرك؟
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار
في منطقة الشهداء