زيارة حافلة بالرسائل قام بها الرئيس السوري بشار الأسد الى طهران. زيارة هي الأولى منذ تفجر الحرب في سورية عام 2011، وقد أحيطت بتكتم شديد ولم يعلن عنها ولم تنشر صورها إلا بعد انتهائها وعودة الأسد الى دمشق.
وهذه الزيارة استمرت ساعات واقتصرت على لقاءين: الأول مع المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، والثاني مع الرئيس حسن روحاني.
الأسد زار موسكو مرتين ويزور طهران لأول مرة بعد الحرب. البعض رأى، ومنهم محللون إسرائيليون، في لقاء الأسد ـ خامنئي «لقاء إعلان النصر»، ولكن كثيرين تأكدوا بعد هذه الزيارة أن تحالفا استراتيجيا وعميقا يربط بين سورية وإيران ولا يمكن أن يتفكك ويضعف، ولا يمكن للأسد أن «يطلع من إيران» أو أن يضع نفسه في موقع المفاضلة بين إيران وروسيا او غيرها.
الرئيس السوري بشار الأسد يوازن بين روسيا وإيران في سورية. وهو في حاجة الى كليهما، بحاجة الى الدعم الروسي العسكري الجوي، والسياسي الديبلوماسي، وبحاجة الى الدعم الإيراني، العسكري الأرضي، والمالي والإعلامي، وزيارته الى طهران أول ما تعنيه أن العلاقات راسخة واستراتيجية مع إيران، وأنه ماض قدما في ترسيخها وتعميقها.
هذه الزيارة جاءت بعد أسابيع من توقيع البلدين اتفاق تعاون اقتصادي طويل الأمد، شمل قطاعات عدة أبرزها النفط والطاقة الكهربائية والزراعة والقطاع المصرفي، وبعد أشهر على توقيع البلدين اتفاقية تعاون عسكرية.
ولعل أبرز ما تطرقت إليه الزيارة، في إطار التعاون الاستراتيجي، الموقف المشترك الرافض للمشاريع الأميركية المتجددة في سورية، وأن «المنطقة العازلة» المقترحة في شمال شرق سورية واحدة من المؤامرات الأميركية الخطيرة التي يجب رفضها ومقاومتها بشدة، وهنا يبدو التباين مع موسكو التي ابدت تفهما للموقف التركي وعرضت نشر قواتها في هذه المنطقة، إلى جانب خطط الولايات المتحدة لتثبيت وجود مؤثر على الحدود السورية ـ العراقية. وأتت هذه الزيارة لتعزز ما قاله الطرفان السوري والإيراني غير مرة من أن الضغوطات الإسرائيلية لا يمكنها كسر التحالف.
زيارة الأسد الى طهران تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى موسكو. وهي الزيارة الأولى له منذ حادثة إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية بالقرب من اللاذقية في سبتمبر الماضي، وتعد إشارة واضحة الى انتهاء مبررات منعها خلال الأشهر الماضية، خصوصا أن النتائج سبقت الزيارة، وتحديدا منذ أن استأنفت إسرائيل الضربات بعد زيارة عمل لرئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي أهاون حليفا الى موسكو في ديسمبر الماضي، حيث تلقى الضوء الأخضر.
اللافت في زيارة نتنياهو هو غياب قائد سلاح الجو الإسرائيلي عميكام نوركين، مع حضور رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية تامير هايمن.
مبرر ذلك أن لا حديث عن آليات منع الاحتكاك والشروط الروسية حولها، بل إن المطلوب بحسب الوفد المرافق لنتنياهو هو إعادة انتشار أعداء إسرائيل كما تشتهيها الأخيرة في سورية، بما يؤدي وها هنا أحد أهم أهداف الزيارة إلى تقليص هذا الانتشار عبر تفاهمات مع الجانب الروسي، خصوصا أن الهجمات نفسها، بمستواها ووتيرتها الحاليين، غير قادرة على تحقيق المطلب الإسرائيلي بشقيه: اخراج ايران، وكذلك منع السلاح النوعي عن حزب لله في لبنان.
هذه المشهدية: الأسد في طهران ونتنياهو في موسكو، تعكس صورة «التنافس ـ التباين» الإيراني الروسي في سورية الذي مازال تنافسا إيجابيا ولم يتطور الى خلاف وافتراق.
هناك من يعتقد أن هذا الخلاف السطحي لا يعتد به، وربما أشبه بمناورة أو شكل من أشكال توزيع الأدوار.
وهناك من يرى أن الخلاف الروسي الإيراني في سوري سيتفاقم مع خمود المعارك وبدء موسم القطاف، ليس فقط لأن قوتين نافذتين يصعب أن تتعايشا على أرض واحدة، وإنما أيضا بسبب تباين شروط الطرفين ودوافعهما للتدخل في الشأن السوري وتعارض خططهما حول مستقبل البلاد.