- الجويعد: القوميات تخللت داخل النظام العثماني وساهمت في سقوط «الخلافة»
- الجحمة: الخلافة العثمانية مثل كل الدول والحضارات وسقوطها ليس استثناء
- المطيري: الدولة العثمانية فقدت ثلثي أراضيها ونصف سكانها قبل الحرب العالمية
- الخميس: الدولة العثمانية عانت في كل مراحلها من إعلام موجه بهدف إلغاء «مقام الخلافة»
ثامر السليم
نظم مركز «طروس» لدراسات الشرق الأوسط أول من أمس حلقة نقاشية مميزة بعنوان «سقوط الخلافة العثمانية»، حاضر فيها كل من أستاذي التاريخ بجامعة الكويت د.طلال الجويعد ود.يوسف المطيري، ورئيس مركز «طروس» محمد الثنيان، والباحث في التراث الإسلامي مهنا المهنا، وعقب على الحلقة الكاتبة والمتخصصة في الإعلام السياسي الزميلة خلود الخميس وأستاذ التاريخ بجامعة الكويت د.نواف الجحمة وأدارها عمر الخالدي، وذلك في المكتبة العامة بمنطقة الجابرية.
في البداية، تحدث أستاذ التاريخ بجامعة الكويت د.طلال الجويعد عن محور «دور القوميات في إضعاف وإسقاط الدولة العثمانية»، قائلا: القوميات الكبرى هي الإسلامية والعربية والكردية والتركية، مشيرا الى ان النظرية القومية لم تكن حديثة العهد ولكنها قديمة وان كانت بغير مسماها الحديث، وتعني التعصب لجنس او عرق أو اصل دون النظر الى الفكر او الدين وكانت تسمى بـ «العصبية» وهي موجودة في التاريخ الإسلامي وبدأت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
القومية الحديثة
وأشار الجويعد إلى ان القومية بمعناها الحديث ظهرت بعد قيام الدولة الفرنسية ونادت الكثير من الدعوات في أوروبا بها وكانت متعددة الأجناس سواء النمساوية أو الروسية او المملكة البريطانية وكانت أوروبا أرضا خصبة لإقامة مثل تلك القوميات، لافتا الى ان أفراد الرعية العثمانية بدأوا يتأثرون بهذا الفكر عبر عدة مراحل كون الدولة العثمانية امتدادا للدول الإسلامية السابقة، حيث كان الناس نوعين مسلمين وآخرين من أهل الذمة يعيشون في كنف الدولة الإسلامية، حيث مالوا الى العثمانيين لما وجدوا فيهم من العدالة.
وأضاف: طرأت بعد ذلك عدة تغييرات خاصة بعد منتصف القرن التاسع وازدياد حركات الجمعيات التنصيرية القادمة الى البلاد العربية والإسلامية وحاولت استقطاب العناصر المسيحية وكانوا يدخلون الى تلك البلاد بحيل الطبابة والتعليم وأيضا عبر بوابة القومية العربية، واهتموا بدراسة اللغة العربية وطباعة الكتب وإفساح المجال للمسلمين للدراسة بالمدارس التابعة لهم التي ركزت على تذكير العرب بأمجادهم ودولتهم التي كانت من المحيط الى الخليج، مبينا ان أول من نادى بالقومية العربية هم نصارى العرب ومن ثم المسلمون، لافتا الى ان القومية التركية والطورانية اول من نادى بها هم الهاربون من الحكم الروسي والذين استوطنوا الدولة العثمانية واستقطبوا الناس من خلال مؤلفاتهم التي كانت تنادي بالعرقية مما يعد مخالفا للنظام العثماني والذي يقرر ان الوحدة وحدة الدين لا العرق، من هنا بدأت هذه القوميات تتصارع فيما بينها.
التوجه العثماني
وأشار الى ظهور التوجه الثالث خلال تلك الحقبة وهو ما سمي بـ «التوجه العثماني»، وكان على حد سواء بين الأتراك والعرب فيما عرف بـ «العثمنة» عبر دمج جميع عناصر الدولة في بوتقة واحدة دون النظر الي الدين او العرق وجعل العثمانية قومية بحد ذاتها وانتهت هذه الدعوة مع سقوط السلطان عبدالحميد الثاني، مؤكدا ان هذه القوميات التي ظهرت وبدأت تندمج داخل النظام العثماني القائم على وحدة الرعية أدت الى ضرب المفهوم الإسلامي للرعية تحت تدرج عرقي وليس دينيا، كما ساهمت في تقوية العناصر غير المسلمة على حساب المسلمين وتغلغل المستعمر داخل البلاد الإسلامية ونجاحه، بالإضافة الى مساهمتها في ظهور الأنظمة العلمانية.
دور الإنجليز
بدوره، تحدث رئيس مركز طروس محمد الثنيان عن محور «دور الإنجليز في سقوط الدولة العثمانية»، موضحا ان الدولة العثمانية كباقي الدول كانت لها سلبياتها وإيجابياتها وكان هدف الإنجليز من الدخول الى المنطقة اقتصاديا بالدرجة الأولى، والسيطرة على منابع النفط، والهدف الثاني كان دينيا لتقسيم الأمة ومحو اي خريطة موحدة او حاكم واحد لها، حيث كان يضيرها ان تكون الأمة الإسلامية مجتمعة على حاكم وان كان ضعيفا.
وذكر الثنيان أن الإنجليز حاولوا جر الدولة العثمانية الي الدخول في الحرب العالمية الأولى وكانوا يقصدون من وراء ذلك تحقيق 3 أهداف منها إنهاء التحالف العثماني - الألماني ومنع ألمانيا من التنقيب عن النفط الموجود على السكة الحديد في العراق واستبدال محركات الفحم بمحركات تعمل بالنفط قبل اندلاع الحرب.
الدور الديني
وبخصوص الدور الديني وتقسيم الأمة العربية، قال ان دخول الإنجليز الي المنطقة جاء سعيا لتقسيم الدول وكانت هناك مفاوضات قبل انطلاق الثورة العربية بـ 4 سنوات بين الإنجليز والشريف حسين من أجل ان يكون الملك منهم وليس من الأتراك وانطلقت الثورة العربية على ان يعطى الملك للشريف حسين ومن ثم انتهى دور الدولة العثمانية.
الحرب العالمية
من جانبه، حاضر أستاذ التاريخ في جامعة الكويت د.يوسف المطيري عن محور «دخول الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى كعامل أساسي في سقوط الدولة»، مشيرا الى ان سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب نتيجة حتمية ومنطقية لتراكمات طويلة، مشيرا الى انه رغم كل الإصلاحات التي حاول العثمانيون عملها إلا ان هذه المشاكل كانت سببا رئيسا في سقوطها خاصة بعد خوضها غمار الحرب العالمية الأولى، مؤكدا ان الدول لا تسقط نتيجة عامل واحد بل نتيجة لإخفاقات طويلة جدا ويظهر ذلك جليا خلال الأعوام الـ 100 الأخيرة بعد عزل 6 من اصل 8 سلاطين قبل الحرب العالمية الأولى، بالإضافة الى ان الدولة كانت تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وخلافات ومشكلات داخلية بين رجال الدولة وانتهاك قدسية مؤسسة الحكم.
ولفت المطيري الى ان الأمر لم يقف عند هذا الحد بل بدأت أراضي الدولة العثمانية تتقلص قبل الحرب العالمية الأولى، حيث فقدت ثلثي أراضيها ونصف سكانها وحاولت تطبيق نظام المركزية ولا تسطيع الدولة تطبيقه إلا اذا كانت قوية وقادرة على تطبيق هذه السياسة، كما بدأت أطراف الدولة العثمانية بالخروج منها، حيث خرجت مصر واليمن والجزيرة العربية وصربيا وغيرها من الدول بالإضافة الى الاتفاقيات التي أقامتها الدولة العثمانية ولم تكن في صالحها.
السقوط الحتمي
وذكر أن كل هذه الأحداث كانت تدل بشكل او بآخر الى الاتجاه نحو سقوط الدولة العثمانية ولم يدرك القائمون على الدولة العثمانية التطور الحادث حولهم وان تحول الميزان التجاري من الدولة العثمانية الى أوروبا والأقمار الاصطناعية وعصر الآلة البخارية وانتقال طرق التجارة الدولية من البحر الأبيض المتوسط الى طريق الرجاء الصالح ثم قناة السويس، وكذلك أصبحت الدولة العثمانية مستوردة بعد ان كانت مصدرة وبدأت تقل أهميتها اقتصاديا، حيث أصبحت مستهلكة وليست منتجة بالإضافة الى الديون التي أثقلت كاهلها، حيث بلغت ما يقارب 30 مليار جنيه ذهب.
الحكم الوراثي
وفي السياق ذاته، قال الباحث في التراث الإسلامي مهنا المهنا ان الدولة العثمانية مضى عليها اكثر من 95 عاما وكانت قد عانت من مشاكل كثيرة جدا وهي ليست دولة ملائكية ولكنها دولة حكمت ما يقارب 3 قارات واستطاعت الوصول الى القسطنطينية وعمق أوروبا ولولا خيانات حدثت لاستطاع المسلمون فتح فيينا وتحرير فرنسا واستعادة إسبانيا والأندلس، لافتا الى ان الدولة العثمانية عانت مشاكل عديدة لعل أبرزها هي مشكلة الحكم الوراثي كونها تمنع الأمة من اختيار حاكمها وهذا يقمع كل المبدعين والكفاءات من الوصول الى السلطة او المناصب. وذكر المهنا ان الدولة العثمانية تميزت بصناعة الأسلحة وزراعة المأكولات فكان لديها اكتفاء ذاتي، مشيرا الى الجمعيات السرية ودورها في هدم الدولة العثمانية من خلال بث الإنجليز للقوميات داخل الدولة من أجل القضاء عليها.
أسباب تراكمية
من ناحيته، عقب أستاذ التاريخ في جامعة الكويت د.نواف الجحمة على الحلقة النقاشية، موضحا ان الخلافة العثمانية حالها حال كل الحضارات والدول التي مرت على المنطقة وسقوطها ليست استثناء عن القاعدة، فالسقوط الحقيقي كان بسقوط بغداد واشبيلية ومدن الأندلس الواحدة تلو الاخرى، حيث احتفل الأوروبيون بسقوط الخلافة العثمانية مع ان السبب الرئيسي كان في العوامل الداخلية، وإبرازها الى الخارج فالأسباب جميعا عبارة عن مسائل تراكمية.
إعلام موجه
بدورها، عقبت الكاتبة والمتخصصة في الإعلام السياسي الزميلة خلود الخميس بأن الدولة العثمانية في كل مراحلها عانت من إعلام موجه الى إلغاء كلمة خلافة، مشيرة الى ان الإعلام السياسي في الدولة العثمانية والذي يقصد به محاولة بث فكرة عن طريق 3 وسائل هي: الدعاية السوداء او الرمادية او البيضاء، فما نعيشه الآن في الإعلام الموجه ضد تركيا هو ما يسمى بالدعاية السوداء ومعروف من وراءها، أما الرمادية فنصفها معلن والآخر غير معلن ولا نعرف من وراءها وهناك الدعاية البيضاء. وأشارت الزميلة خلود الخميس الى ان المشكلة تكمن في الدعاية السوداء فما عاشته الدولة العثمانية من استخدام الوسائل اللاأخلاقية في هدم فكرة الآخر لاستبدالها بفكرة جديدة، مؤكدة ان السبب الرئيسي في هدم الدولة كان في الداخل، حيث تم اختراق أسرة السلطان عبدالحميد وكانوا يتهمونه بأنه يشك كثيرا في جميع من حوله وكان يعلم بأن الدولة العثمانية ستسقط ولكنه كان عاجزا رغم عظمته لأن الإعلام كان أقوى وأكبر منه.
الدولة التركية الحديثة
ولفتت الى ان انبعاث الدولة التركية الحديثة يقوم الآن على الإعلام السياسي والحكومة التركية تدعم الدراما التركية بمئات الملايين وستقوم وزارة الثقافة والسياحة بتخصيص ميزانية لإنجاز مسلسلات وأعمال درامية تدعم تركيا وتظهر الدولة العثمانية من خلال تمرير الفكر العثماني عبر الدراما التركية، مبينة ان شركة «نتفليكس» تقوم حاليا بإنتاج مسلسل من 6 حلقات عن الدولة العثمانية وهذا ما يسمونه القوى الناعمة في الإعلام السياسي، مشيرة الى ان الدولة التركية الحديثة بقيادة حزب العدالة والتنمية تقوم بعمل سياسي مميز، ومن أمثلة ذلك استقبال رئيس أذريبجان بـ «المارش العثماني» كون العثمانية قومية تشعرهم بالفخر والاعتزاز، مشيرة الى ان انهم يفتخرون بانتمائهم الى شيء عظيم استمر قرابة 600 سنة فالإعلام السياسي جزء من دعاية سياسية والسياسة هي كل الحياة لأنها من اصل «سوس» بمعنى الإدارة.