إعداد: طارق عرابي
زاوية رمضانية تعدها «الأنباء» مع مسؤولي الشركات وأصحاب القرار بالاقتصاد الكويتي يتحدثون فيها عن تجاربهم الخاصة بعالم الاقتصاد، ويشاركون القراء العبر والدروس منها
العمل الخاص أو الحر له مذاق خاص ورحيق من يتذوقه يأبى أن يعمل بشيء آخر، فالعمل الحكومي أو الوظيفة الحكومية تحكمها البيروقراطية، ولكي تسعى لتطوير ذاتك والتحدي مع نفسك، لابد أن تحلق بعيدا عن الوظيفة الحكومية وتبادر إلى إيجاد نفسك وتحديد هدفك.
وكانت بدايتي عام 1979 عندما قمت مع إخوة أعزاء مثل الشيخ علي صباح السالم وناصر الساير، بتأسيس شركة مساهمة مقفلة، هي «الشركة الوطنية للأخشاب» وقد بلغ عدد المساهمين فيها في ذلك الوقت 314 مساهما من مختلف شرائح المجتمع الكويتي.
وكان الهدف من تأسيس الشركة التجارة بالأخشاب والاستثمار في غابات الأخشاب، لذا قمنا بتأسيس شركة تابعة أسميناها «شركة صباح الكويت» في ماليزيا للاستثمار في غابات ماليزيا، حيث قمنا بشراء أرض مساحتها 1.7 مليون متر مربع من الغابات للمتاجرة بالأخشاب وتقطيعها وتصنيعها وتصديرها للخارج، ومن ثم زراعة هذه الغابات مرة أخرى للمحافظة على الاستدامة، وكان المفوضون في إدارة الشركة الشيخ علي صباح السالم وأنا وناصر الساير وأيضا علي البغلي.
وكانت الشركة تسير وفق الخطة المعدة لها في البدء، وبعدها قامت الحكومة الماليزية بفرض الضرائب على الغابات المستثمرة وكانت ضرائب كبيرة جدا، وحاولنا التفاهم مع الحكومة الماليزية لتقليل الضرائب على المستثمرين إلا أنهم رفضوا، لذا قررنا الخروج من هذا الاستثمار وتوقف العمل في شركة صباح الكويت.
لم يعق فشل شركة صباح الكويت الشركة الأم عن هدفها أو جعلها تستسلم، لذا قمنا في وقت لاحق بزيادة رأسمال الشركة الأم «الشركة الوطنية للأخشاب» للتوسع في التملك والمتاجرة ببيع جميع مواد الإنشاء والبناء واستغلالها في كل الطرق المتاحة، والقيام بأعمال الاستيراد والتصدير والبيع بالجملة والمفرق في شكلها الخام والمصنع لجميع البلاد، وتم تغيير اسم الشركة من الشركة الوطنية للأخشاب إلى الشركة الوطنية الكويتية لصناعة وتجارة مواد الانشاء والبناء.
وتم إضافة أغراض جديدة لأغراض الشركة وهي استغلال الفوائض المالية المتوافرة لدى الشركة تدار عن طريق محافظ مالية من قبل شركات وجهات متخصصة، وكان لهذا الغرض الفائدة الكبيرة للشركة، حيث قامت الشركة بالاستثمار في السوق الألماني في شركة فاينغ وهي من أكبر الشركات الألمانية على مستوى العالم في مجال تصنيع مكائن تقطيع الأخشاب وصناعة فورمات الأبواب والنوافذ، ولها فروع تجارية ومصانع في أوروبا والصين وأميركا ودول أخرى، وكان لهذا الاستثمار العائد الكبير، حيث إنه بعد تحرير الكويت من براثن الاحتلال في عام 1991 كانت شركتنا هي الشركة الوحيدة تقريبا التي وزعت أرباحا على مساهميها.
كما استثمرت أيضا في شركة ريكوستا وهي شركة ألمانية تقوم بتصنيع الأحذية، وهذان المشروعان كانا نواة لاستثمارات أخرى جديدة، مما أعطى لنا فكرة جديدة وهي تعديل كيان الشركة لتصبح شركة قابضة بدلا من مساهمة مقفلة، وتم تعديل اسم الشركة إلى «الشركة الوطنية الدولية القابضة» وكان لهذا التحول الأثر الكبير على ربحية الشركة، حيث ان تجارة الأخشاب ومواد الإنشاء والبناء أصابها الكساد.
وحرصا على عدم تعرض الشركة للخسائر، اتخذت إدارة الشركة قرارا بتعديل كيان الشركة والانطلاق نحو الاستثمار، والاستحواذ على الشركات المحلية والخارجية في بلدان متعددة للحرص على التنوع الجغرافي وما يحمله من خصائص والدخول في استثمارات مدرة للدخل.
والآن وبعد مرور 40 عاما على إنشاء الشركة وبفضل من الله وحده ثم بجهود العاملين فيها، أصبحت الشركة الوطنية الدولية القابضة من الشركات الكبيرة العاملة في الاستثمار ومدرجة في سوقين ماليين: بورصة الكويت وسوق دبي المالي، وهي في بحث دائم عن فرص استثمار واعدة في القطاعات التشغيلية المتميزة بالثبات في الإيرادات والتدفقات النقدية، كما قامت بالفعل بالتوسع في الشراء والاستحواذ على شركات كبيرة وأصبحت تمتلك نسبا كبيرة ومؤثرة في شركات عديدة في مختلف القطاعات.
إن فكرة انشاء شركة ليس لها أن تتحقق على ارض الواقع دون التفكير في جميع الاحتمالات من ربح وخسارة، فضلا عن التعرف على المعوقات التي يمكن أن تواجهك، لذا لابد في البداية من الاستئناس بآراء المقربين منك وطرح الفكرة عليهم وتدوين جميع الملاحظات المتعلقة بإنشاء شركة من حيث نوع الشركة والهدف منها وكيفية العمل على توفير رأس المال وما هي الخطوات والإجراءات الواجب إنجازها حتى ترى الشركة النور وتتحقق فعلا.
كانت هذه التجربة مخاطرة شخصية مني، ولكن بعد الاستخارة والأخذ بمشورة المقربين والأصدقاء ساعدني ذلك في اختيار طريق الصواب، ولقد واجهنا في انشاء الشركة العديد من المطبات والمعوقات وكانت كلها تزيدنا إصرارا على تحقيق النجاح والاستمرار فيه.
كما هو معلوم فإن فترة السبعينيات والثمانينيات شهدت فورة في التقدم العمراني والتشييد والبناء، وهذا كان الوقت المناسب لإنشاء مثل هذه الشركة والظروف كانت مناسبة جدا، ولو فكرنا في وقت آخر لإنشائها لم يكن ليناسب مثل هذا النوع من النشاط التجاري، ولما كانت فترة التسعينيات والألفية الثانية هي فترة الاستثمارات حولنا، فقد تم تعديل نشاط الشركة ليواكب التغيير الذي طرأ على الحياة الاقتصادية في البلاد وفي الوضع الاقتصادي للعالم كذلك.
لذلك إذا أردت النجاح فلابد من المخاطرة، ولكن هناك أنواعا من المخاطرة لذا، لابد أن تتحلى ببعد النظر واستباق الأحداث حتى تستطيع أن تتنبأ بما أنت مقدم عليه.
وأقول للشباب المقدم على العمل الحر ان كان في المجالات الصناعية أو العقارية أو الاستثمارية عليه أن يقوم بدراسة السوق واحتياجاته ومن ثم عمل دراسة اقتصادية متكاملة لأي مشروع يود الاستثمار فيه، ومن ثم العمل على تأسيس الشركة بموجب الأغراض الخاصة بذلك المشروع، وعليه الاستشارة والاطلاع على تجارب الآخرين والذين استثمروا أموالهم في عدد من المشاريع ان كانت صناعية أو استثمارية والاستفادة من تلك التجارب.
عبدالوهاب الوزان النائب الأول لرئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت