توسعت ارتدادات «المكالمة-الفضيحة» بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لتطول أفرادا آخرين مقربين من ادارته بينهم وزير خارجيته مايك بومبيو، وسط معلومات عن «فضيحة» مماثلة مع الروس، دفعت ترامب لحشد معسكره لمواجهة معركة عزله التي يبدو أنها ستكون اصعب مما تخيل.
فقد افادت تسريبات جديدة نقلتها صحيفة «واشنطن بوست» أن ترامب اعترف لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والسفير سيرغي كيسلياك، بشكل غير مباشر بتدخل واشنطن في انتخابات الدول الاخرى، قائلا انه غير مهتم بمسألة تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية السابقة، نظرا إلى أن الولايات المتحدة تقوم بالأمر ذاته في بلدان أخرى، بحسب ثلاثة مسؤولين سابقين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم.
وأدلى ترامب بهذه التعليقات، خلال الاجتماع في مايو 2017 في المكتب البيضاوي والذي أوردت تقارير أنه كشف خلاله عن معلومات بالغة السرية تتعلق بتنظيم داعش.
وعقد الاجتماع غداة إقالة ترامب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي آنذاك جيمس كومي. وقال للمسؤولين الروس إن الإقالة أزاحت عنه «ضغوطا شديدة».
وأثارت تعليقاته قلق المسؤولين في البيت الأبيض ما دفع طاقمه إلى حصر الاطلاع على المذكرة التي تتضمن مجريات الاجتماع في عدد محدود من المسؤولين الأمنيين رفيعي المستوى فقط، وهذا الاجتماع ذاته هو الذي كشف فيه ترامب عن معلومات سرية أدت إلى كشف مصدر استخباري في تنظيم «داعش».
كما وصف ترامب خلال الاجتماع طرد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي بأنه خلصه من حمل ثقيل.
ويأتي تقرير «واشنطن بوست» بعد أيام من تسريبات هزت واشنطن بشأن المكالمة الهاتفية بين ترامب وزيلينسكي.
بدورها، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» أن البيت الأبيض وضع بشكل منفصل نصوص محادثات لترامب تتضمن مواضيع حساسة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في النظام ذاته المخصص للملفات البالغة السرية الذي وضع فيه نص الاتصال مع اوكرانيا.
وفي محاولة للدفاع، شن الرئيس الأميركي هجوما مضادا شرسا معولا على حلفائه الجمهوريين ووسائل الإعلام المؤيدة له وحسابه على تويتر، على أمل نقل المعركة إلى خصمه المرشح الديموقراطي المحتمل للرئاسة جو بايدن، وغرد أمس الأول مهاجما الديموقراطيين، واصفا اياهم بـ«الحزب الذي لا يفعل شيئا» والصحافيين «التافهين» ووصف المخبر الذي أبلغ عن المخالفات بـ«عميل حزب».
وفي شريط فيديو حصلت عليه وكالة «بلومبيرغ»، قال ترامب أثناء اجتماعه مع ديبلوماسيين من البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة إنه «في حالة حرب».
وإن كانت فرص عزله تبقى ضئيلة في ظل الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، إلا أن الخطر يبقى جسيما إلى حد يتطلب منه تعبئة مؤيديه، وبنى ترامب استراتيجيته الدفاعية على 3 عناصر، هي تأكيد براءته وطرح نفسه في موقع الضحية وتوجيه التهمة إلى بايدن نفسه.
وأرسل البيت الأبيض بالخطأ إلى نواب ديموقراطيين «عناصر تواصل» أعدت لمساعدة الجمهوريين في الكونغرس في الدفاع عن الرئيس. وتشدد الوثيقة على أن الرئيس «لم يقدم أي مقابل» لنظيره الأوكراني.
ويردد العديد من حلفاء ترامب منذ ذلك الحين هذه الحجج نفسها، ومن بينهم السيناتور النافذ ليندسي غراهام.
وقال النائب الجمهوري مارك ميدوز متحدثا لشبكة «فوكس بيزنيس» التي تلقى متابعة واسعة في الأوساط المحافظة إن «الرئيس لم يرتكب أي خطأ».
لكن بالرغم من هذه الجهود، لم يجد الرئيس عبارة مجدية بمستوى الشعار الذي ردده بلا توقف خلال التحقيق في التدخل الروسي في انتخابات 2016، حيث أعلن على جميع المنابر «لا تواطؤ..لا عرقلة».
كما ندد النائب أندي بيغز بمعاملة الديموقراطيين «المعيبة» للرئيس، وقال في تصريح لشبكة فوكس إن «دوافعهم الحقيقية هي التأثير على نتيجة الانتخابات».
لكن وسيلة الدفاع الفضلى تبقى الهجوم، ويركز ترامب وأنصاره هجومهم على بايدن.
ونشر الرئيس إعلانا انتخابيا يؤكد أن «جو بايدن وعد أوكرانيا بمليار دولار إن أقالت المدعي العام الذي كان يحقق في شركة ابنه».
في المقابل، يتعهد الديموقراطيون التحرك بسرعة في قضية عزل الرئيس، وفي أولى الخطوات، طالب ديموقراطيون يرأسون لجانا نافذة في مجلس النواب أمس الأول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو المقرب من ترامب بتزويدهم وثائق حول قضية أوكرانيا، بغية «تسريع» التحقيق الرامي إلى العزل.
وجاء في بيان لرؤساء لجان «الخارجية والاستخبارات والإشراف على السلطة التنفيذية»، توجهوا فيه إلى بومبيو، أن «رفضكم الامتثال لهذه المطالبة سيشكل دليلا على عرقلة تحقيق مجلس» النواب في هذا الإجراء النادر ضد رئيس أميركي.
ومع توالي التسريبات، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن المبعوث الأميركي الخاص إلى أوكرانيا كيرت فولكر قدم استقالته إلى الوزير مايك بومبيو، إثر تلقيه استدعاء من الكونغرس لاستجوابه في إطار التحقيق الرامي إلى عزل ترامب، وتعد الاستقالة الأولى بعد تفجر قضية الاتصال بين ترامب ونظيره الأوكراني.
ولم يقدم فولكر سببا للاستقالة المفاجئة، لكن مصدرا مطلعا على دوافع استقالته أفاد بأن فولكر وصل إلى نتيجة مفادها أنه سيكون من المستحيل المضي قدما في مهمته بعد التطورات التي حصلت في الأيام الأخيرة.
جدل حول حماية المبلغين واتهام «نيويورك تايمز» بالمخاطرة بسلامة مفجر «الفضيحة»
نيويورك - أ.ف.پ: أثارت صحيفة نيويورك تايمز جدلا واسعا وأحيت النقاش حول حماية المبلغين بعد نشرها تفاصيل عن المخبر السري الذي فجر فضيحة المكالمة الهاتفية مع رئيس اوكرانيا وتسببت في بدء إجراءات لعزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط أجواء التوتر السياسي المتزايد في الولايات المتحدة.
وبعد نشرها تقريرا يتهم ترامب بطلب «تدخل بلد أجنبي في انتخابات عام 2020» الرئاسية، كشفت الصحيفة الخميس الماضي تفاصيل عن المبلغ المجهول. وذكرت أنه من عناصر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه)، عمل لفترة في البيت الأبيض، خبير في الملفات الأوروبية والوضع السياسي في أوكرانيا.
واعتبر محامو هذا المبلغ، كما عاملين آخرين في الاستخبارات، أن الكشف عن هذه المعلومات المتعلقة به أمر «خطير» بالنسبة اليه على المستويين المهني والشخصي.
ودافعت الصحيفة، عن قرارها نشر التفاصيل المتعلقة بالمبلغ، مبررة بأن نشرها تلك التفاصيل يسمح للقراء في أن «يحكموا بأنفسهم» على مصداقيته، بعد تشكيك الرئيس ومؤيديه. لكن هذه الإيضاحات لم تقنع الجميع.
ورأى جون مارشال الأستاذ في كلية الصحافة في جامعة نورث ويسترن، أن «هذا القرار صعب. وجدت نيويورك تايمز نفسها بين مبدئين مهنيين متضاربين».
من جهة، مبدأ «البحث عن الحقيقة ونشرها»، من جهة أخرى «الحد من الآثار السلبية التي يتسبب بها ذلك، ما يعني عدم تعريض المصادر للخطر».
بالإضافة إلى كل ذلك، يدخل عامل المنافسة الإعلامية التي تفاقمها ضغوط دوائر المعلومات ما يترك لوسائل الإعلام «وقتا قليلا» للتفكير في عواقب قراراتها.
ويرى مارشال وآخرون أن «شخصا واحدا أو اثنين فقط» تتطابق أوصافهما مع الوصف الذي نشرته الصحيفة عن المبلغ. مع اعتقاده أيضا بأن هذا المخبر قد يكون في خطر، اعتبر تود غيلتين أستاذ الصحافة في جامعة كولومبيا، مع ذلك أن قرار الصحيفة «مبرر». وقال إن هذا الشخص، وكعنصر في وكالة الاستخبارات المركزية، يجب أن يكون «على علم بالمخاطر، وأن يكون اتخذ احتياطاته».
وتوضح كاثلين ماكليلان نائبة مدير برنامج حماية المبلغين في منظمة «إكسبوز فاكتس» غير الحكومية أن هذا المبلغ كان حذرا جدا في خطواته، فقد احترم كل القواعد المتعلقة بتقديم الشكاوى، وعمل بالتشاور مع محامين متخصصين.
لكن الخبيرة تشدد على أن أي شخص يعمل في الاستخبارات هو دائما عرضة لخطر الردود الانتقامية.
وخلافا لقطاعات مهنية أخرى، لا يمكن لعنصر استخبارات اللجوء للمحاكم لمقاضاة مرؤوسيه، وليس لديه سوى خيار تقديم شكوى امام السلطة التنفيذية. ويعني ذلك أنه إذا أراد الرئيس أن يدفعه ثمن فعلته، فلا يمكن للمبلغ أن يعترض إلا لدى الرئاسة. ولا ترى أن ذريعة «المصداقية» التي تحدثت عنها نيويورك تايمز مقنعة.