(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ).
بعد أن بين الله عز وجل فضله على داود، بين فضله على ابنه سليمان عليه السلام، حيث سخر لسليمان الريح تجري من اول النهار الى انتصافه مسيرة شهر، ومن منتصف النهار الى الليل مسيرة شهر بالسير المعتاد، (وأسلنا له عين القطر) وهو النحاس، وهذا فضل ثان، فكان النحاس يسيل كما يسيل الماء يعمل به ما يشاء وسخرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن لا يأتمر بأمره وهذا تهديد للجن (نذقه من عذاب السعير) من عذاب النار المستعر.
كن شكورا بعملك وقلبك ولسانك
(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ).
(المحاريب): هو المكان الاساسي الذي يعقد وتحكم به الابنية سواء في البيت او في المسجد، (وتماثيل) صور الحيوانات والجمادات، (وجفان كالجواب) يعملونها لسليمان للطعام لأنه يحتاج الى ما لا يحتاج اليه غيره، وقدور ثابتات لا تتحرك من اماكنها لعظمهن، وهكذا يعمل الجن لسليمان ما يشاء، وقلنا يا آل داود اعملوا شكرا لله على ما اعطاكم وذلك بطاعته وامتثال امره، (وقليل من عبادي الشكور) يخبرنا الله ان اكثر الناس لم يشكروا الله تعالى على ما اولاهم من نعمه ودفع عنهم من النقم، والشكر يكون بالعمل والقول والنية، ولكن داود واهله من القليل الشاكرين، ونرى كثيرا ممن يشكر الله بالقلب واللسان ويغفل عن شكره بالعمل وهو اعظم الشكر واقله تطبيقا بينهم، اللهم اجعلنا من الشاكرين.
واقع تاريخي
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
اثبات ان الجن لا يعلمون شيئا، هم خائفون من مراقبة سليمان لهم فكانوا يعملون العمل الشاق وهو ميت حتى امر الله تعالى ان تؤكل هذه العصا، وكان متكئا عليها، فوقع سليمان على الارض، عند ذلك علمت الجن انهم لو كانوا يعلمون الغيب ما اقاموا في العذاب المذل والعمل الشاق لسليمان ظنا منهم انه من الاحياء، وفي الآية ابطال لاعتقاد بعض الناس ان الجن يعلمون الغيب، اذ لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا وفاة سليمان عليه السلام ولمّا اقاموا في العذاب المهين.
أخذ العِبر مطلب شرعي
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)، الآية هي الدلالة العظيمة على امر خارق، لقد كان لقبيلة سبأ باليمن في مسكنهم دلالة على قدرتنا، بستانان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له نعمه عليكم، فإن بلدتكم كريمة التربة حسنة الهواء، وربكم غفور لكم.
عقاب الجحود بالنعم
(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)، فأعرضوا عن امر الله وشكره وكذبوا على ما انعم به عليهم، وكذبوا الرسل، فأرسلنا عليهم السيل الجارف الشديد الذي خرب السد واغرق البساتين، وبدلناهم بجنتيهم المثمرتين ذواتى اكل خمط، وهو التمر المر الكريه الطعم، واثل وهو شجر يشبه الطرفاء لا ثمر له، وقليل من شجر النبق كثير الشوك.
كذلك من الناس من يكون في رغد من العيش واتصال من التوفيق وطرب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة او يسيء ادبا او يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو به من النعم، فيتغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال ولا طرب ولا وصال.
الجزاء من جنس العمل
والسبب في ذلك قوله تعالى (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)، اي نعاقب بهذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف امرنا، فإن الجزاء من جنس العمل، ثم فرقهم الله تعالى في البلاد واذلهم وشردهم (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).
نعمة الأمان
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ).
وجعلنا بين اهل سبأ وهم باليمن أبنية واضحة ومدنا متصلة يرى بعضها من بعض يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة، ويبيتون في اخرى، هيأ الله تعالى لهم الاسباب ما يسهل وصولهم اليها في سهولة من الامن وعدم الخوف وتواصل القرى بينهم وبينها بحيث لا يكون عليهم مشقة، وقلنا لهم (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)، سيروا في تلك القرى في اي وقت شئتم من ليل او نهار سيرا يعرفونه فلا يتهيون عنه مطمئنين من السير في تلك الليالي والايام غير خائفين عدوا ولا جوعا ولا عطشا.
الكفر بنعمة الله
(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
طلبوا وتمنوا ان تتباعد اسفارهم بين تلك القرى التي كان السير فيها متيسرا فقد ملوا الراحة والأمن ورغد العيش وكفروا بنعمة الله فعاقبهم الله تعالى بهذه النعمة التي اطغتهم فأبادها عليهم.
(فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) فلما اصابهم ما اصابهم تفرقوا وتمزقوا بعدما كانوا مجتمعين وجعلهم الله احاديث يتحدث بهم واسمارا للناس ولمن يأتي بعدهم فخربت بلادهم (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور)، ان ما حل بسبأ لعبرة لكل صبار على المكاره والشدائد، شكور لنعم الله تعالى يقر بها ويعترف ويثني على من اولاها ويصرفها في طاعته.
نعم ظاهرة وباطنة
سكن قوم سبأ بأرض اليمن، وانعم الله عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، واصلح البال والحال، وبارك لهم في الارض والمال، وجعل لهم الهواء نقيا ونزلت عليهم بركة من السماء، وكانوا لا يرون في مساكنهم بعوضا ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملا ولا عقربا ولا حية وغير ذلك، واذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم، وكان الماء يأتيهم بين جبلين وتجتمع اليه ايضا السيول، فقام ملوكهم الاوائل فبنوا سدا عظيما محكما وهو سد مأرب حتى ارتفع الماء، فغرسوا الاشجار واستغلوا الثمار فكانت تثمر اجود واحلى الثمار بقدرة العزيز الغفور، قال قتادة: ان المرأة كانت تمشي بين الاشجار وعلى رأسها زنبيل، وهو الذي تجمع فيه الثمار فيتساقط من الاشجار في ذلك ما يملؤه من غير ان تحتاج كلفة ولا قطافا لكثرته ونضجه واستوائه.
ألقيت المحاضرة في مسجد
فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء