ابن سينا ـ 980 - 1037م
أبوعلي الحسين بن عبدالله بن سينا من كبار فلاسفة العرب وأئمة مفكريهم، ولد في بلدة أخشنة القريبة من بخارى عام 980، وقد اشتهر بلقب الرئيس وأرسطو العرب. كانت دائرة اختصاص ابن سينا - شأنه شأن علماء العصور الوسطى العظماء - كل المعرفة البشرية، وقد تفوق في هذا على نحو عظيم بحيث يعد عموما اعظم مفكر منذ ارسطو الذي كان لما كتبه هذا الاخير تأثير كبير فيه. تربى ابن سينا عندما كان صبيا على النحو المتعارف عليه، فحفظ القرآن والنصوص العربية الأصيلة، وتفقه في القرآن والحديث والشريعة، وأتقن الشعر، وتعلم الحساب من بائع خضر، وتلقى الهندسة والمنطق على احد العلماء المتجولين أقام في منزل ابن سينا لهذا الغرض. كان ابن سينا فائق الذكاء، وقد تفوق على أساتذته ولجأ الى الاطلاع الشخصي، ونحا بعد ذلك الى الفلك والرياضيات، وتمكن من أعمال الإغريق في هذه المواضيع، كما برع ايضا في المعرفة الطبية لعصره، ونبغ فيها، ثم اشتغل بالفلسفة وقال: «إنها اصعب منالا من الطب» وكان طبيبا لعديد من الحكام المحليين.
كان ابن سينا دائم التنقل نتيجة للنزاع الدائم بين الأمراء المتحاربين، وكان كلما حل في بلد لقي فيه ما يستحق من إجلال وتقدير واتصل به عظماؤها، وقد تقلد الوزارة لشمس الدولة في همذان. اشتهر ابن سينا بكتابه «القانون» في الطب الذي يعد موسوعة المعرفة الطبية، والذي يحتوي على نحو مليون كلمة.. ويعود إليه الفضل بعودة الكثير من المعرفة الطبية الاغريقية التقليدية الى اوروبا، وقد عرفه الافرنج باسم AVICENNA. من مؤلفات ابن سينا المطبوعة ايضا «الشفاء» في الفلسفة، وقد وضعه سنة 1022 تقريبا، و«الإشارات» و«التنبيهات» في المنطق، وكتاب «النجاة». كان ابن سينا على اطلاع بالمعرفة السيمائية لعصره، وخاصة سيمياء جابر بن حيان، وكان يميل الى الاعتقاد بأن المعادن تنشأ في الطبيعة من اتحاد الزئبق والكبريت على ان يكونا قد بلغا الدرجة القصوى من النقاء. وهذا هو المبدأ الذي قال به جابر من قبل، ولكن ابن سينا اردفه برأيه في استحالة تحويل المعادن بعضها الى بعض قائلا بأن الكيميائيين عاجزون عن تغيير طبيعة المعدن، وليس في مقدورهم إلا ان يصبغوه، ولكنه لا يتحول إذ ذاك الى معدن آخر، فهو يقول: «يمكن صبغ النحاس بلون ابيض فيتخذ شكل الفضة، وصبغ الفضة بلون احمر فتظهر كالذهب، ولكنهما يظلان نحاسا وفضة». ويضيف: «تستخلص الصبغة البيضاء من الزرنيخ والزئبق والفضة، والحمراء من الكبريت والذهب وملح النشادر، وقد يبلغ التقليد بالصباغة حدا يخدع به حتى العلماء، ولكنه لا يتجاوز التقليد لأن كل معدن يحتفظ بصفاته الذاتية التي تميزه عن غيره، ولا يطرأ عليه سوى تغير اللون».
من كتاب: تاريخ الكيمياء ـ صلاح محمد يحياوي