يقول الشيخ د.عدنان الرشيدي: الحمد لله الذي خلق الخلق على اصناف متباينة، وباين بينهم في المفهوم والادراك، وألف بين القلوب التي لم تأتلف، وصلى الله على نبيه الرؤوف الرحيم، أما بعد.
فقد يسعى بعث الافاضل الى نبذ الخلاف جملة وتفصيلا، وهذا محال وغير معقول، فالخلاف واقع لا محالة، والاختلاف كائن لا دافع له، بل الواجب ان نحدد ما يجوز فيه الاختلاف وما لا يجوز، وما الواجب على المسلم اذا ما وقع الخلاف، اما ان نسعى لنفي الخلاف ونطلب الاجتماع على رأي واحد فهذا ما لا يكون، بالاضافة الى انه لم يقل به احد من السلف، فالله ـ عز وجل ـ لا يعجزه ان يجعل الناس على قلب رجل واحد (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة)، بل خلقهم لأجل الاختلاف، قال الله تعالى (ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك)، ثم قال (ولذلك خلقهم)، اي خلقهم فمنهم شقي ومنهم سعيد.
قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم، وقال اشهب: سألت مالكا عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير.
وقد نبه لذلك العلامة ابن القيم في اعلام الموقعين عندما يقول: وقوع الاختلاف بين الناس امر ضروري لابد منه لتفاوت اغراضهم وافهامهم وقوى ادراكهم ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه.
وحدد الرشيدي القواعد المهمة في الخلاف وهي: يجب عند الاختلاف الرد لحكم الله ورسوله (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله ـ الشورى: 10)، وان الخلاف منه سائغ وممنوع، وايضا الخلاف في اصول الدين ومسلماته يفسد للود قضية.
ومن الخلاف السائغ الاحكام الاجتهادية الخلافية التي وقع التنازع فيها بين الأمة في عصور اصحابه ومن بعدهم الى يومنا، فمثل هذه الاحكام مما يجوز فيها الاختلاف، ولا يجوز الحكم على من اتبع قولا منها بكفر ولا فسق ولا بدعة، فالخلاف في الامور الاجتهادية الظنية واقع من الصحابة والتابعين والائمة وجميع علماء وفضلاء هذه الأمة، وذلك انه من لوازم غير المعصوم ولا معصوم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واما من بعده فلا عصمة لأحد منهم.
وزاد: الاختلاف لا يدل على القطيعة بل قد يدل على بداية الحوار، فإن ابن مسعود اختلف مع امير المؤمنين عثمان في مسألة اتمام الصلاة في سفر الحج ولكنه لم يخالف بل اتم معه وقال: الخلاف شر.
ولابد ان نستشعر ان اصلاح ذات البين عبادة عظيمة، قال تعالى (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)، (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)، (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، وأخرج احمد وابو داود والترمذي من حديث ابي الدرداء عنه عليه السلام «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا».
واكد ان فقه الخلاف او ادب الاختلاف مبحث طال حوله الجدل، وتفجرت فيه ينابيع الكلم، بيد انا نعاني من الفجوة بين التنظير والتطبيق.
ان مما يدعو للأسى في الخلافات الواقعة اليوم هو حضور الشهود الا شاهد العقل واستحضار الحجج الا حجة الانصاف.
ونختم بقوله عليه الصلاة والسلام «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا».