مخيم احتجاجي في غرناطة للمطالبة بمعالجة أزمة السكن في إسبانيا
دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى إجراء انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر، بعدما رفض البرلمان تدابير حكومية لمعالجة أزمة السكن التي دفعت عشرات الآلاف إلى التظاهر.
ويسعى سانشيز إلى الحصول على دعم برلماني أوسع، رغم تقدم المعارضة المحافظة في استطلاعات الرأي.
وقال سانشيز في كلمة متلفزة من قصر مونكلوا، الاثنين: "نحتاج إلى تجديد دعم الشعب لنا"، داعياً إلى تحقيق أغلبية تقدمية أكبر تسمح لحكومته بتنفيذ الإصلاحات.
وأقر رئيس الوزراء، الذي يتولى السلطة منذ عام 2018، بارتكابه أخطاء وإخفاقه في الوفاء بوعود انتخابية، قائلاً: "أدرك أيضاً أن جزءاً من هذه الأغلبية الاجتماعية غير راضٍ اليوم".
من إخلاء شقة إلى احتجاجات واسعة
تصاعد الغضب بشأن أزمة السكن الشهر الماضي، بعد إجبار ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاما، على مغادرة شقتها في مدريد، حيث عاشت لأكثر من سبعة عقود.
وبحسب ناشطين في مجال الإسكان، استحوذت شركة استثمارية على الشقة وسعت إلى رفع الإيجار إلى مستوى لم تعد المتقاعدة قادرة على تحمله.
وأثارت قضيتها ردود فعل غاضبة، قبل أن يتوصل المالكون الجدد إلى اتفاق يسمح لها بالعودة مقابل إيجار منخفض. لكن الاحتجاجات استمرت، لتعكس استياء أوسع من تكاليف السكن.
والسبت، خرج عشرات الآلاف في مسيرات بمدريد ومدن إسبانية أخرى، مطالبين بتوفير مساكن بأسعار معقولة. ويعتصم مئات المحتجين منذ أكثر من أسبوع في مخيم وسط العاصمة للضغط من أجل إجراء إصلاحات.
وقالت أليسيا ديل ريو، الناطقة باسم نقابة المستأجرين الإسبان التي تقود الاحتجاجات الأخيرة: "لا يمكن إيقاف موجة الغضب هذه. نحن لن نتراجع"، مجددة دعوتها إلى إضراب عام.
وتواجه إسبانيا منذ سنوات نقصا في المعروض من المساكن مقارنة بالطلب. ووفق بيانات موقع "إيدياليستا" العقاري التي نقلتها فرانس برس، تضاعف متوسط الإيجارات تقريبا خلال العقد الماضي، وارتفعت الأسعار المطلوبة للمنازل بنحو 90 في المئة.
لماذا تعثرت تدابير الحكومة؟
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيسة الحزب الاشتراكي كريستينا ناربونا
حاولت حكومة سانشيز مواجهة الأزمة بتدابير تضمنت التجديد التلقائي لعقود الإيجار، وفرض قيود على إخلاء المستأجرين من الفئات الأكثر ضعفا.
لكن البرلمان رفضها الجمعة، ما زاد غضب المحتجين وأظهر مجددا صعوبة تمرير الحكومة لتشريعاتها.
وكان من بين المعارضين حزب "خونتس" الكاتالوني الانفصالي، الذي تعتمد الحكومة على دعمه في البرلمان. واعتبر الحزب أن التدابير أُعدت على عجل، وأنها ستفاقم أزمة الإسكان.
ولم تكن هذه أولى العقبات أمام ائتلاف سانشيز، الذي يفتقر إلى أغلبية برلمانية. فالحكومة لم تتمكن من إقرار موازنة جديدة منذ عام 2023، ولا تزال البلاد تعمل بموجب ميزانية ذلك العام.
وعلى مدى سنوات، نجح سانشيز في البقاء في السلطة بالاستناد إلى دعم قوى متباينة سياسياً. لكن تزايد الخلافات بين الأطراف التي تدعمه حدّ من قدرته على تمرير التشريعات خلال ولايته الثالثة، بحسب رويترز.
وفي كلمته، دافع سانشيز عن سجل حكومته، مشيراً إلى أن الاقتصاد الإسباني نما منذ وصوله إلى السلطة بوتيرة أسرع من الاقتصادات الأوروبية الرئيسية الأخرى.
غير أن حكومته تواجه ضغوطاً أخرى، بينها قضايا فساد طالت مقربين منه، بمن فيهم زوجته وشخصيات بارزة في الحزب الاشتراكي.
كما تعرض لانتقادات بشأن تعامله مع أزمة الهجرة في سبتة، الجيب الإسباني في شمال أفريقيا، بعدما دخل آلاف المهاجرين من المغرب أواخر يوليو/تموز.
ولا يزال كثيرون منهم يقيمون في مخيمات مؤقتة، وسط احتجاجات شبه يومية لسكان يطالبون بعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
هل تمنح الانتخابات سانشيز مخرجا؟
يأمل سانشيز أن تتيح له العودة إلى الناخبين تأمين أغلبية أوسع، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم الحزب الشعبي المحافظ، أبرز أحزاب المعارضة، على حزبه الاشتراكي.
وكان زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فييخو، جدد السبت دعوته إلى إجراء انتخابات، قائلاً إن البلاد "لم يعد بوسعها تحمل المزيد".
ومع ذلك، تشير الاستطلاعات إلى أن الحزب الشعبي لن يحصل على أغلبية مطلقة، وسيحتاج إلى دعم حزب "فوكس" من أقصى اليمين لتشكيل الحكومة.
وبحسب رويترز، قد يفتح ذلك الباب أمام مشاركة حزب من أقصى اليمين في الحكومة المركزية للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو.
في المقابل، قد تمنح أزمة السكن سانشيز فرصة لحشد مؤيديه.
ويرى فيديريكو سانتي، محلل الشؤون الأوروبية في مجموعة "أوراسيا" لاستشارات المخاطر السياسية، أن وضع هذه القضية في قلب الحملة الانتخابية قد يساعد في تعبئة الناخبين ذوي الميول اليسارية.
وأضاف، في تصريحات نقلتها فرانس برس، أن الانتخابات المبكرة قد تجنّب الاشتراكيين مزيداً من تراجع التأييد الشعبي، في ظل ارتفاع التضخم والتعثر التشريعي وفضائح الفساد.
وهكذا، يعود سانشيز إلى الناخبين طلبا لدعم يتيح له تجاوز الانقسام البرلماني، في انتخابات قد تمنحه فرصة جديدة للحكم، أو تنهي ثماني سنوات قضاها في السلطة.