إذا فاز جو بايدن بالرئاسة الأميركية فسيكون فوزه بطعم الخسارة... وإذا خسر دونالد ترامب المعركة فستكون خسارة مشرفة... جو بايدن لن يصل بسهولة الى البيت الأبيض، وإذا وصل فسيكون مقيدا وغير مطلق اليدين بعدما خسر الديموقراطيون معركة السيطرة على مجلس الشيوخ، وبعدما لم تصح توقعاتهم بحدوث «موجة زرقاء» تكتسح الكونغرس وتسقط ترامب بالضربة القاضية السريعة.. ودونالد ترامب لن يستسلم بسهولة ويلقي سلاحه في معركة باتت تحتسب بالنقاط وانتقلت من مراكز الاقتراع الى ساحات المحاكم، تماما مثلما حصل بين جورج بوش الابن وآل غور، مع فارق أن النزاع كان آنذاك على ولاية واحدة هي فلوريدا، فيما النزاع اليوم على أكثر من ولاية، وعلى قواعد اللعبة والفرز والتصويت البريدي.
حتى الآن، بايدن لم يفز رسميا وترامب لم يهزم رسميا ومازال في البيت الأبيض، مستعدا لـ «القتال» حتى استنفاد آخر فرصه وأسلحته القضائية. الموقف على درجة كبيرة من الغموض والترقب، والأعصاب مشدودة. والمتنافسان كتفا الى كتف في سباق محموم، وفي انتخابات قياسية وصلت فيها المشاركة الى 66% من مجموع الناخبين، وهي أكبر نسبة تسجل خلال مائة عام.. ثمة حالة استقطاب آخذة في التفاقم داخل الولايات المتحدة، وسط تبادل الاتهامات وتلويح الحزبين باللجوء الى دعاوى قضائية... صورة الديموقراطية الأميركية باتت مهزوزة. المعركة باتت على «شرعية النتيجة»، والأزمة الانتخابية مرشحة لأن تصبح أزمة دستورية.
أين تكمن الثغرة في معركة الديموقراطيين حتى لو فاز بايدن؟!
كانت توقعات الحزب الديموقراطي تشير الى تراجع مثير في شعبية ترامب لإخفاقه في إدارة أزمة كورونا، ولأدائه الشخصي الفوضوي والمزاجي من خارج منظومة المؤسسات.
وكانت خطط الحزب الديموقراطي الطموحة تركز، ليس فقط على كسب معركة الوصول الى البيت الأبيض، وإنما أيضا معركة السيطرة على مجلس الشيوخ، ولكن الوقائع والأرقام دلت من جهة على أن تعويل الحزب الديموقراطي على سلاح أزمة كورونا لمواجهة موجات المد الحمراء والحد منها لم يكن في محله، ما يقود إلى استنتاج مفاده أن قطاعا وازنا من الأميركيين لم يتخل عن ترامب، وأن الناخبين لم ينبذوا الرئيس الجمهوري كما توقعت استطلاعات الرأي، وما يثبت أن قاعدة ترامب، حتى في حال خسارته، لاتزال وفية له، وهو ما يفتح الأمور على احتمالات كثيرة، أولها رفض هؤلاء النتيجة في حال خسارته، خصوصا وأنه بدأ باكرا التشكيك بالنتائج وبالطريقة التي يجري فيها فرز الأصوات في بعض الولايات الرئيسية.
كما أظهرت النتائج من جهة أخرى، أن الديموقراطيين أصيبوا بانتكاسة أفسدت عليهم فرحتهم نتيجة فشلهم في انتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ، وأيضا فشل توقعاتهم في انتزاع المزيد من المقاعد في مجلس النواب لتعزيز الأغلبية الديموقراطية بعدما كانوا دخلوا إلى السباق التشريعي وكلهم أمل وثقة بانتزاع الأغلبية في مجلس الشيوخ من الجمهوريين، وتعزيز أغلبيتهم في مجلس النواب.
ومع بداية صدور النتائج الأولية، بات من الواضح أن رهاناتهم كانت أكبر بكثير من الواقع.
وكان من السهل قراءة المشهد وتجريده من صفة «الموجة الزرقاء» التي كان الديموقراطيون يروجون لها، وليس هذا هو السيناريو الذي كان يأمل به كثير من الديموقراطيين ويستعدون له.
هم أرادوا حدوث تحول دراماتيكي ينتهي إلى سحق ترامب و«الترامبية» بشكل لا لبس فيه، واكتساحهم هم لمجلس الشيوخ، عبر الحصول على غالبية قصوى.
وهذا يعني أن الحزب الديموقراطي لن يتمكن من تمرير أجندته كما يريد، فضلا عن عرقلة تشريعات كثيرة للحزب الديمووقراطي، في ظل استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.
وفي هذه الحالة، سيكون بايدن أول رئيس أميركي، منذ 32 عاما، يتسلم منصبه من دون سيطرة حزبه على الكونغرس، وهي ديناميكية أخرى من شأنها إضعاف تطبيق أجندته.
أيا تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية والطريقة التي ستحسم بها وموعد الإعلان عنها.. النتيجة الواضحة من الآن أن الولايات المتحدة تغيرت وأنها دخلت في مرحلة جديدة عنوانها عدم الاستقرار الداخلي، ما سيؤثر على دورها الخارجي. وقبل كل شيء صورة أميركا تتغير.
التشكيك في العملية الانتخابية برمتها، والتلويح باللجوء إلى المحاكم، ومحاولة استبعاد أصوات ناخبين من عمليات الفرز، كلها أشياء جعلت صورة الديموقراطية الأميركية تبدو مهزوزة أمام العالم.
كذلك فإن زيادة المتاريس حول محيط البيت الأبيض، ومنظر المحلات التجارية المغلقة التي غلفت واجهاتها بألواح من الخشب لحمايتها من أي أعمال شغب محتملة، وحديث الناس عن قلقهم من إندلاع أحداث عنف ومعارك بالسلاح، كانت كلها دالة على حجم التوتر الذي يحيط بالانتخابات الأميركية هذه المرة.
بغض النظر عن الفائز، فإن أميركا تبدو الخاسرة. فصورتها الديموقراطية اهتزت بشكل غير مسبوق، والاستقطاب الداخلي يبقى على أشده في مجتمع يعاني من شروخ كثيرة وانقسامات حادة.
ترامب ربما فاقم الوضع، لكن النظام الانتخابي ذاته فيه مشاكل ويحتاج إلى عملية ترميم.
أميركا في وضع صعب مرة أخرى بسبب نظامها الانتخابي، وهذه المرة يبدو الوضع أصعب مما كان عام 2000 عندما فاز جورج بوش بمعركة قضائية، أو عام 2016 عندما فاز ترامب على هيلاري كلينتون وسط جدل حول تدخلات روسية في الانتخابات.
فاليوم لا تواجه أميركا احتمال معارك قضائية حول النتيجة فحسب، بل تحبس أنفاسها خوفا من اندلاع أعمال عنف في ظل الاستقطاب الحاد الذي سبق الانتخابات ورافقها.