مع حلول الليل، يقترب نشطاء فلسطينيون من الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل عازمين على إزعاج الجنود الإسرائيليين بإشعال إطارات مطاطية وإلقاء حجارة ومفرقعات نحوهم، في تكتيكات تقودها حركة حماس ويرى محللون أنها محفوفة بالمخاطر.
على الحدود الشرقية لمدينة غزة، يتجمع مئات الشبان والفتية ويبدأون بنقل إطارات السيارات القديمة عبر دراجات نارية وعربات التوكتوك، تمهيدا لإشعالها بجانب السياح الحدودي مع الاحتلال، بينما يلقي آخرون الحجارة والزجاجات الحارقة باتجاه الجنود المحتمين في غرف محصنة وراء تلال رملية.
ويطلق النشطاء بالونات محملة بمواد حارقة باتجاه الحدود الإسرائيلية، لكنهم يتراجعون مع رد الجنود الإسرائيليين بإطلاق الرصاص الحي والمطاطي.
ويراقب المتظاهرون طائرات إسرائيلية مسيرة في السماء، ويرون فيها بمنزلة إنذار لهم بالهروب، إذ تعمل على إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع.
ويقول فريد (19 عاما)، وهو طالب في كلية الهندسة في الجامعة الإسلامية بغزة، إنه يذهب إلى الجامعة نهارا، ويشارك ليلا في فعاليات الإرباك الليلي التي تنظمها حركة حماس والفصائل الأخرى للمطالبة برفع الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ خمسة عشر عاما.
وصمم الشاب قنبلة صوتية يلقيها في اتجاه الجنود، ويضيف «سنزعجهم ونجعلهم يفقدون صوابهم، نحن لا ننام، ولن ندع الجنود والمستوطنين ينامون آمنين».
ويلتقط الشاب صورة بهاتفه النقال لشقيقه أحمد (12 عاما) الذي يصحبه معه، قبل أن يقوم جنود إسرائيليون بإلقاء قنبلة صوتية من على بعد مئتي متر من برج مراقبة عسكري إسرائيلي.
ويشارك مؤمن (20 عاما)، وهو طالب في كلية الأدب الإنجليزي في جامعة الأزهر، في الاحتجاجات الليلية رغم إصابته برصاص الجيش الإسرائيلي في ركبته اليمنى خلال احتجاجات «مسيرات العودة» في شهر مارس 2018.
ويقول الشاب بينما يتكئ على عكازين معدنيين «كلما كانت دعوة من مجموعات الإرباك، آتي إلى هنا للمشاركة، لا يهمني أن أصاب مرة أخرى».
ويقاطعه نداء أحد المنظمين عبر مكبر للصوت يطلب من المتظاهرين التوجه إلى الحافلات للعودة إلى بيوتهم. ثم يستأنف بإحباط «قتلوا فينا الأمل، لا اعتقد أن الإرباك سيرفع الحصار، اليهود تألموا في حرب مايو ونجحوا بتشديد الحصار أكثر، لا أحد مع أهل غزة».
ومنذ منتصف أغسطس، قتل ثلاثة فلسطينيين بينهم عنصر في حماس، وعنصر في القوات الخاصة الإسرائيلية، في مواجهات قرب السياج الفاصل.
ويؤشر ذلك إلى هشاشة الهدنة بين إسرائيل وحماس التي أعلنت في 21 مايو بعد تصعيد دام استمر 11 يوما وأسفر في الجانب الفلسطيني عن سقوط 260 قتيلا بينهم 66 طفلا ومقاتلون، و13 قتيلا في الجانب الإسرائيلي بينهم طفل ومراهقة وجندي.
وقررت إسرائيل مطلع سبتمبر جملة تسهيلات لتخفيف الحصار، منها توسيع مساحة الصيد البحري قبالة شاطئ غزة لخمسة عشر ميلا، والسماح لنحو سبعة آلاف تاجر بدخول المناطق الإسرائيلية، وإدخال بضائع مختلفة للقطاع.
لكن مسؤول الجهاد الإسلامي في غزة خميس الهيثم يقول ان «رضا المقاومة مرهون بإعادة الإعمار بشكل كامل وليس بمنح تسهيلات».
أما أبو ربيع (23 عاما)، وهو قائد إحدى مجموعات «الإرباك» التابعة لحماس، فيرى أن الاحتجاجات الليلية «ستفرض على إسرائيل رفع حصارها والسماح بإعادة إعمار القطاع».
تصعيد محسوب
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر مخيمر أبوسعدة أن حماس «تضغط» عبر الاحتجاجات للحصول على المزيد من التنازلات والتسهيلات الإسرائيلية.
إلا أنه يوضح أن الحركة الإسلامية تعتقد أن البالونات الحارقة والإرباك الليلي «قد تؤدي إلى تصعيد محسوب ومحدود وليس إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، رغم انزعاج إسرائيل الشديد».
وترد إسرائيل غالبا على البالونات الحارقة من غزة، بسلسلة غارات جوية على القطاع، كان آخرها استهداف موقع عسكري لحماس في خان يونس.
ويقول المحلل السياسي جمال الفاضي من جهته «تملك حماس في جعبتها أدوات تستطيع قلب الطاولة».
ويوضح أن «حماس تمارس نوعا من الضغط المحسوب لأجل عدم إتاحة الفرصة لإسرائيل لفرض شروط جديدة».
صبر محدود
أما المسؤول السابق عن الشؤون الفلسطينية في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية كوبي مايكل فيقول إن استمرار احتجاجات حماس قد يجعل «صبر إسرائيل ينفد»، محذرا من أن الجيش الإسرائيلي «لن تكون لديه إشكالية في الرد بقوة إذا أدخلته حماس في مواجهة جديدة».
ويوضح أن حركة حماس «تفضل الاحتجاجات قرب الحدود لأنها تدرك أنها إذا أطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل، فإن الرد الإسرائيلي سيكون عنيفا».
ويضيف الباحث في الشؤون الأمنية أن حركة حماس «تعتقد أنها قادرة على استفزاز إسرائيل، لكنها قد تكون مخطئة، لأن ليست لديها القدرة الكاملة على السيطرة على درجة العنف» على الحدود.
ونظمت الفصائل الفلسطينية في مارس 2018 احتجاجات «مسيرة العودة» التي استمرت سنة ونصف السنة كل يوم جمعة على طول السياج الفاصل للمطالبة برفع الحصار الإسرائيلي وتثبيت «حق العودة» للفلسطينيين الذين هجروا من بلداتهم وقراهم. وأدت مواجهات تخللت تلك الاحتجاجات إلى مقتل 310 فلسطينيين وثمانية إسرائيليين.