Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (5)
ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
8 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء




مظاهرات مليونية أطاحت بيانوكوفيتش بعد عمليات تزوير وفرضت إعادة الانتخابات لصالح يوششينكو..ثم أعاد الشعب يانوكوفيتش إلى السلطة
بقلم: محمد الحسينيربما تكون الثورة البرتقالية في أوكرانيا (نوفمبر 2004 – يناير 2005) الأكثر شهرة بين ثورات الألوان السلمية، فقد شهدت دورا بارزا للإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة التي زادت من الاهتمام والمتابعة العالميين لهذه الثورة.
بعد نحو 6 سنوات على انتهائها، المفارقة الأبرز هي ان الثورة التي انطلقت احتجاجا على تزوير انتخابات كان هدفها فوز رئيس الوزراء آنذاك فكتور يانوكوفيتش خلفا للرئيس ليونيد كوتشما بعد ولايتين قضاهما الأخير في السلطة على حساب المرشح الأبرز فيكتور يوششينكو الذي انتهت الثورة بتنصيبه رئيسا بعد اعادة الانتخابات، لكن الرئيس اليوم هو يانوكوفيتش الذي عاد الأوكرانيون وانتخبوه للرئاسة عام 2010 ليكون أول رئيس في أوروبا حاليا يصل الى سدة رئاسة بلاده بعد ان قضى مدة في السجن.
هذا التغير وضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى الثورة خاصة بعد ان تراجعت شعبية يوششينكو بطريقة دراماتيكية خلال الأعوام التالية، لكن مؤيديها يرون انه رغم قرار الشعب بعودة يانوكوفيتش إلا أن الثورة التي لعبت فيها وسائل الإعلام العالمية والمنظمات المدنية الدولية دورا كبيرا أدخلت أوكرانيا في عهد ديموقراطي جديد يتسم بالشرعية والوعي الشعبي.
وعودة الى تطورات الثورة فقد وجد يانوكوفيتش نفسه في وضع محرج فكان لجوؤه الى التزوير أمرا حتميا وحاول تغطية الأمر باتهام يوششينكو بالسيطرة على وسائل الإعلام التي «لم يكن لها دور سوى الحديث طوال النهار عن عمليات التزوير».
في 23 نوفمبر وفي ظل تكهرب البلاد أقدم يوششينكو الذي تسيطر جماهيره على العاصمة رغم وجود قوات الأمن وأنصار قادمين من الجنوب تأييدا ليانوكوفيتش، على دخول مقر البرلمان وأداء القسم الرئاسي أمام نصف أعضاء المجلس المؤيدين للمعارضة. لم يكن النصاب متوافرا لذلك ولكن الأمر انطوى على حركة منه ليظهر انه يسيطر على مقاليد الأمور، كما كانت اشارة مهمة الى أجهزة الأمن والجيش بضرورة النظر اليه على انه السلطة الشرعية.
في ظل الحماس المفرط في كييف اشتد الخناق على يانوكوفيتش الذي وجه مؤيديه للحديث عن احتمالات الاقدام على الانفصال والفدرلة إذا استمر يوششينكو في خطواته ولكن من دون جدوى.
وفي تلك الأثناء حاول الرئيس كوتشما الوصول الى تسوية لكن الضغوط الشعبية ازدادت ولم يعد أمام يوششينكو أي فرصة للتنازل.
في الأول من ديسمبر 2004 انعقد البرلمان الأوكراني الـ «فركوفنا رادا» في جلسة حضرها نواب المعارضة والمتعاطفون معهم وصوّت على رفض الحركات الداعية للانفصال والفدرلة وطرح الثقة بحكومة يانوكوفيتش ولكن دون جدوى، لأن حجب الثقة يستلزم توقيع الرئيس كوتشما لكنها كانت أيضا خطوة رمزية أخرى.
في ديسمبر 2004 جاءت نذر الحل من المحكمة الدستورية العليا التي أقرت بحصول التزوير ودعت لإعادة الجولة الثانية في 26 ديسمبر 2004 ووافق البرلمان على الخطوة، فأجريت الانتخابات التي أفضت الى حصول يوششينكو على 51.99% مقابل 44.20% لخصمه الذي تحدث هو هذه المرة عن تزوير لكن لجان المراقبة الدولية والمحلية أجمعت على ان الانتخابات كانت «عادلة ونزيهة» على عكس سابقتها.
في 10 يناير أعلن فوز يوششينكو رسميا وفي 23 منه أدلى بالقسم مجددا أمام مئات الآلاف من أنصاره في ساحة الحرية في نهاية ما عرف بـ «الثورة البرتقالية» التي حملته الى السلطة هو وحليفته يوليا تيموشنكو التي تولت رئاسة الوزراء بناء علىاتفاق مسبق ووصفت بـ «زهرة أوروبا» وهي اليوم قيد الملاحقة في قضايا فساد. رغم ان «الثورة البرتقالية» أحيطت بهالة من المثالية إلا أن تقارير لاحقة أظهرت انها حظيت بدعم من أجهزة أمنية داخل السلطة الأوكرانية نفسها، كانت تسعى الى إقصاء يانوكوفيتش وحققت توازنا لأنها منعت القوات الموالية له من التحرك وهددتها بـ «غرق البلاد في حمام دم» وهو ما أدى الى بقاء الأجهزة على الحياد ومهد الطريق الى الثورة لتتم بسلام. وعلى المستوى السياسي لا شك في ان الولايات المتحدة والمعارضة الروسية للرئيس فلاديمير بوتين ساهمتا في دعم «الثوار البرتقاليين» وتشجيعهم، ونقل ان خبراء في حملتي «كمارا» و«أوتپور» في كل من جورجيا ويوغوسلافيا كانوا متواجدين على الأرض مع أنصار يوششينكو وساهموا في تدريبهم وتحفيزهم، وفي المقابل كان يانوكوفيتش يحصل على دعم من رجال الموالاة للنظام في روسيا فيما يعكس أثر الصراع الخارجي ودوره في الثورة البرتقالية التي أحدثت ارتدادات عالمية تمتد حتى الثورات التي يشهدها العالم اليوم.
لونيد كوتشما غادر السلطة مثقلاً بفضيحة
انتخب ليونيد كوتشما ثاني رئيس لأوكرانيا بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي خلال انفراطه.
حكم بلاده لولايتين بين 19 يوليو 1994 و23 يناير 2005. وقد هزت ولايته الثانية فضيحة كبيرة عندما سرب رئيس الحزب الاشتراكي الأوكراني الكسندر موروز تسجيلا له يتحدث فيه عن احتمال اغتيال الصحافي غريغوري غونغادزه الذي اختفى عام 2000 في ظروف غامضة ثم عثر على جثته مقطوعة الرأس.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا