تونس ـ أ.ف.پ ـ رويترز: نطقت الدائرة الجنائية التابعة للمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة بالحكم فيما بات يعرف بقضية «مطار قرطاج» التي حوكم بها 23 من أقرباء الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي.
وقد برأت المحكمة علي السرياطي مدير الأمن التونسي في عهد بن علي الذي كان ملاحقا بتهمة التآمر لتزوير جوازات سفر لمساعدة بن علي وأسرته وأقربائهما على الفرار بنقود ومجوهرات.
وأسقطت المحكمة الاتهامات عن السرياطي الذي طلب من التونسيين أن يسامحوه في وقت سابق من هذا الأسبوع لكنه مازال رهن الاحتجاز على ذمة قضايا أخرى.
كما أصدرت المحكمة أحكاما بالسجن لمدد تتراوح بين 4 اشهر و6 سنوات على 23 عضوا من أسرة بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي بتهمة محاولة الفرار وحيازة عملات أجنبية بصورة غير مشروعة.
وأصدر القاضي فوزي الجبالي أحكامه في هذه القضية حيث جاءت بعد سماع الدعوى «بالنسبة إلى الجنرال علي السرياطي فيما تراوحت الأحكام الأخرى بين 4 أشهر و6 سنوات مع غرامات مالية بالنسبة لبقية الأفراد المقربين من الرئيس المخلوع وتجاوزت قيمتها 200 مليون دينار (149.25 مليون دولار). ووجه القضاء التونسي عدة تهم لأفراد عائلتي بن علي وزوجته منها «محاولة عبور الحدود بشكل غير شرعي» و«تهريب نقد أجنبي وذهب ومجوهرات» فيما وجه للسرياطي تهمة «تدليس وتزوير جوازات سفر».
وكان الجنرال السرياطي (71 عاما) الذي مثل قبل أيام أمام القاضي نفسه قد فاجأ الجميع عندما صاح داخل قاعة المحكمة قائلا «أطلب من الشعب التونسي المعذرة أطلب منه العفو أنا تونسي وأحب تونس وأحب علمها».
فيما تابع العالم العربي محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك الأسبوع الماضي مذهولا لرؤية الزعيم الذي قاد بلاده لثلاثة عقود وراء القضبان في قاعة محكمة أفرجت تونس في هدوء عن وزير العدل السابق المكروه.
جاء الإفراج عنه بينما تونس تفيق من أنباء فرار سيدة العقربي وهي شخصية بارزة في النخبة التونسية القديمة الحاكمة والمتهمة بالفساد الى باريس دون أن تتم محاكمتها. وبعد مرور 7 أشهر على الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي والتي كانت الشرارة التي فجرت احتجاجات «الربيع العربي» لايزال التونسيون بانتظار إقامة العدل.
وفي حين مثل مبارك وابناه جمال وعلاء أمام محكمة مصرية ليواجهوا اتهامات لم يعد بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي من المنفى بالسعودية.
وصدرت عليهما أحكام غيابية بالسجن مما أغضب التونسيين المتعطشين للمحاسبة بعد 23 عاما من القمع السياسي والفساد المستشري والمحسوبية.
وقال سامي وهو سائق سيارة أجرة «محاكمة بن علي غيابيا لفتة فارغة. من الصعب إعادته الآن لكن عليهم على الأقل محاكمة رموز الفساد المتبقية».
وأضاف «محاكمة مبارك عمل بطولي. حتى مبارك بطل لأنه لم يهرب. ليس جبانا مثل بن علي». وليس هناك تفسير رسمي للإفراج عن الوزير السابق لكن قضيته لم تغلق رسميا. وكانت العقربي مقربة من زوجة بن علي وكانت ضمن بطانة الرئيس.
وليست صدفة أن كثيرا من التونسيين يقولون إن العقربي فرت من تونس قبل أيام من إصدار ممثل ادعاء أمر بمنعها من السفر.
وتقول مصادر قضائية إنه تم تأجيل القرار بسبب تراكم العمل لكن التونسيين يشتبهون على نطاق واسع في أنه تم تسريب المعلومة للعقربي.
ويقول محللون وساسة إن حلفاء بن علي السابقين لايزالون في مواقع السلطة ويعملون من وراء الكواليس لإنقاذ أصدقائهم وحماية مصالحهم وتقويض المكاسب التي حققها الشعب منذ فر الرئيس من البلاد في 14 يناير بعد احتجاجات استمرت أسابيع ضد حكمه.
ويقول سفيان الشورابي وهو صحافي شاب وناشط ومدون ساعد في انتشار الثورة من المناطق المهمشة الى تونس العاصمة في ديسمبر إن الصراع الآن بين من دعموا الثورة التونسية وبعض جيوب النظام السابق الذين يريدون حماية مصالحهم السياسية والاقتصادية السابقة.
ولا يشعر التونسيون بالرضا عن المحاكمات والإفراج عن المحتجين والانتقال الى انتخابات تجري في 23 اكتوبر ويتحدثون عن أن الثورة «سرقها» فلول نظام بن علي.
يقول نعمان القدري (39 عاما) وهو طبيب كان يجلس على درج المسرح الوطني التونسي حيث عقد تجمع حاشد «سمحوا للمجرمين المعروفين بالانصراف. هذه مؤشرات على مشاكل عميقة في القضاء... لا يوجد من يوقف ثورتهم المضادة سوانا بتحركنا كأفراد».
وأضاف «نحن نحتج على وضع القضاء في بلادنا. نريد قضاء مستقلا وهو أمر حاسم في هذه المرحلة لبناء مستقبلنا».
وفي حين أن المحامين والقضاة لعبوا لفترة طويلة دورا مهما في معارضة الحكم الشمولي لـ بن علي وشاركوا في الاحتجاجات التي أسقطته فإن التونسيين يخشون من أن يؤثر المتعاطفون سياسيا مع الرئيس السابق على الأحكام القضائية. وضاق التونسيون ذرعا بالقضايا التي تأجلت مرارا وتكرارا. ومن أمثلة هذا قضية حسام الطرابلسي بشأن مقتل 7 أشخاص عام 2007 في حفل نظمه. ويعترف التونسيون بأنه تم إحراز تقدم.
وفي تونس القديمة لم تكن لتعقد محاكمة في قضية من هذا النوع. غير انهم يشعرون بأنهم ما لم يواصلوا الضغط فربما يفقدون مكاسبهم.
وفي السياق طالب أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة التونسية بإصلاح عاجل في المنظومة القضائية وتطهير جهاز الأمن ومحاسبة قتلة المحتجين في فترة الثورة.
وطالبت الهيئة حسبما أفادت قناة (الجزيرة) الفضائية أمس الجمعة بفتح ملفات الفساد وإرساء عدالة انتقالية، متهمة القضاء التونسي بالتهاون بعد إطلاق سراح بعض من يصفونهم برموز الفساد في النظام السابق وهروب البعض إلى الخارج.