Note: English translation is not 100% accurate
ما أسباب الصراع بين المبدعين؟ وما الفوارق بين شخصيتيهما؟
دافنشي ومايكل أنجلو...أيهما كبير فناني عصر النهضة؟
14 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء



مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
دافنشي ومايكل أنجلو...أيهما كبير فناني عصر النهضة؟
إن السجال حول من هو الفنان الأفضل في عصر النهضة في أوروبا هو تماما كالنقاش حول أسبقية وجود البيضة على وجود الدجاجة أو العكس!
فمن هو كبير فناني هذا العصر: ليوناردو داڤنشي أم مايكل أنجلو بوناراتي؟
إنه سؤال ينقسم حوله أهل الفن والثقافة، وعادة ما يطفو من فترة الى أخرى، وهو من نوع الأسئلة المحيرة والمفتوحة على غرار: أيهما أجمل البحر أم السماء؟!
في إطار سلسلتنا عن رموز المنافسات والمواجهات التي يشهد عليها التاريخ نغوص في عالم هذين المبدعين بمحاولة لاكتشاف الحقيقة.
ولكن بداية وقبل الخوض في المواجهة، لابد من الحديث عن ظروف حياة وصعود كل منهما حتى تحولا إلى قطبين متنافسين، رغم ان داڤنشي يكبر غريمه بـ 23 عاما.
ليوناردو
رسام وفنان وعالم ونحات ومخترع ومهندس.. وباختصار واحد من أعظم مبدعي التاريخ.
ولد في بلدة «ڤينشي» القريبة من فلورنسا من علاقة غير شرعية بين والده وهو كاتب بالعدل من أسرة ثرية، ووالدته وهي امرأة من أصول ريفية كانت تعمل في إحدى حانات المدينة، حيث التقاها أبوه. اهتمام جده لوالده به واستعادته من والدته التي ربته عدة سنوات في أجواء من الفقر المدقع كان لهما الأثر الكبير على مستقبله.
التحق ليوناردو بمدارس فلورنسا واحة العلم والأدب والفن في ذلك العصر، ومن هناك انطلقت مسيرته الإبداعية.
البداية كانت عام 1466 عندما انضم ليوناردو للمحترف الفنان الشهير اندريا ديل ڤيروكيو وتقرب منه حتى تحول الى مساعده الأول وساهم معه في رسم لوحة «تعميد السيد المسيح» التي رسم ليوناردو فيها الملاك الصغير الى يسار السيد المسيح بطريقة أذهلت ڤيروكيو، لأن ليوناردو استحدث في الرسم تقنيات مذهلة حتى أظهر الملاك بمنتهى البراءة ما بث الحياة في تلك اللوحة التاريخية.
عام 1479 استقل ليوناردو عن ڤيروكيو وانصرف الى تنفيذ العديد من الرسوم الجدارية واللوحات والتماثيل التي انجز بعضها ولم ينه أغلبها بسبب الظروف السياسية والحربية.
وفي عام 1482وجه رسالة الى دوق ميلانو لودڤيكو سفورزا أبلغه فيها بأنه على استعداد لتنفيذ العديد من الاختراعات الحربية التي تساعد المدينة على الصمود في ظل الحروب الداخلية بين المدن الإيطالية والتهديد بالغزو الفرنسي، ومن بين ما عرضه:
بناء جسور ومدافع وقنوات للمياه وتمثال من البرونز بشكل حصان ونصب تذكاري لتخليد انجازات عائلة سفورزا.
وبالفعل حاول انجاز النصب الذي كان سيشكل أحد أضخم أعماله، لكن عائلة سفورزا هزمت بوجه الفرنسيين وحُطم النصب على يد الرماة الفرنسيين، فعاد إلى فلورنسا عام 1500حيث كان اللقاء بينه وبين مايكل أنجلو.
عام 1506 عاد الى ميلانو بدعوة من الفرنسيين ليصبح رسام القصر المعتمد للملك لويس الثاني عشر، ثم عاش في روما في ضيافة البابا ليو العاشر حتى استدعاه ملك فرنسا فرانسيس الأول مجددا، وأمضى سنواته الأخيرة في قصر «دي كلو» في فرنسا، حيث توفي عام 1519 عن عمر يناهز 67 عاما.
أشهر لوحاته الموناليزا والعشاء الأخير ولكلتيهما قصة طويلة ومؤثرة، شخصيته منذ شبابه كانت أسيرة أفكاره الفلسفية، والعدد الكبير من الأعمال التي بدأها ولم ينجزها لا يعود السبب في عزوفه عن اتمامها لضيق الوقت فقط، وانما لعدم رضاه الداخلي عن قدرتها في تجسيد ما كان يدور في خلده.
مايكل أنجلو
مايكل أنجلو كان نحاتا بالدرجة الأولى ثم رساما، ويرى ان النحت يتقدم في الأهمية على الرسم، وان في داخل كل صخرة تمثالا دور النحات أن يحرره. ولذلك كان أعظم أعماله تمثال داود.
ولد في توسكانا عام 1475 وترعرع في فلورنسا ويتحدر من عائلة عريقة وهو ابن لودڤيكو بوناراتي قاضي بلدة كابريزي في توسكانا.
عشق الفن من صغره، وكان يبحث عن ملتقيات كبار الفنانين ليحضرها ويتابع أعمالهم ونقاشاتهم.
وبعمر الـ 13 سنة وبعد الحاح شديد منه وافق والده على أن يعمل لدى الرسام والنحات غيرلاندايو ومن البداية لمس معلمه من خلال رسوماته ومنحوتاته انه يملك شخصية مختلفة تماما وتنبأ له بمستقبل مبهر.
رغم انه متدين قدم العديد من المنحوتات المستوحاة من العصور الوثنية القديمة. كان مقربا من عائلة ميدتيشي النافذة في فلورنسا وعاش في أوساطها حتى انهارت. انتقل بعدها الى روما وكان مقربا من الڤاتيكان وأوكل اليه رسم العديد من الجداريات العملاقة بالكنائس كان أبرزها تصويره سفر التكوين في العهد القديم ولوحة «يوم القيامة» في كنيسة سيستاين، لكنه اثار الجدل بتصويره شخصيات دينية عارية ولكن التقدير لفنه والانفتاح الفني في تلك الحقبة أمنّا له ولكبار الرسامين والفنانين الأجواء للاستمرار والإسهام بالنهضة الفنية.
ظل مايكل أنجلو يعمل حتى آخر يوم من عمره الذي بلغ 89 عاما حيث توفي عام 1564.
وبعكس كل الفنانين الكبار حظي بتكريم خاص لأن سيرته الشخصية كتبت مرتين في حياته احداهما أعدها جيورجيو ڤاساري الذي تخصص في تأريخ سير المشاهير.
المواجهة
بداية الحساسية المفرطة بين ليوناردو ومايكل أنجلو سببها «التعجرف» الذي كان سمة من سمات الأخير. ففي عام 1500 وبعد عودة ليوناردو من ميلانو الى فلورنسا جرى الاحتفاء به الى حد أثار حفيظة منافسه، الذي راح يستعرض سلسلة الأعمال التي فشل ليوناردو في تنفيذها وبينها تمثال لفارس من البرونز احتوى على العديد من الأخطاء.
الحديث وصل إلى أسماع ليوناردو الذي شعر بإهانة كبيرة، وظل الناس يتحدثون عن الخصومة بين الرجلين حتى عام 1503 عندما جاءت المواجهة، حيث أمر پييرو سوديريني حاكم المدينة ليوناردو بداية ثم مايكل انجلو بإنجاز رسوم جدارية في قاعة الاجتماعات بقصر ڤيكيو مقر السلطة التشريعية.
وطلب من ليوناردو أن يقدم رسما يخلد معركة «انغياري» التي تجسد الانتصار على ميلانو ، ثم أوكل لاحقا لمايكل انجلو برسم معركة كاسكينا التي تخلد الانتصار على پيزا.
يروى انه عند لقائهما معا كان كل منهما يعطي ظهره للآخر ويقال ان من أبرز الأسباب التي دفعت بسوديريني لجمعهما معا انه أراد ان يستغل المنافسة بينهما ليحصل على أفضل نتيجة!
أسلوب مختلف
اسلوب الرسامين يختلف كاختلاف الليل والنهار فليوناردو يعتمد على التظليل الخفيف والغموض، بينما يهوى مايكل انجلو اللوحات المفعمة بالحياة.
وبما ان ليوناردو بدأ عمله قبل منافسه فقد قطع شوطا كبيرا في انجاز اللوحة، لكنه استخدم تقنية «الزيت على الجص الناشف»، وفي احدى الليالي تعرضت القاعة لعاصفة رعدية أصابت اللوحة بضرر كبير ما جعل ليوناردو يتوقف عن انجازها بالكامل ويصاب بحالة من الاحباط.
أما مايكل انجلو فاكتفى برسم اللوحة التي كان ينوي تنفيذها على الجدار ولم يستكمل عمله لانشغالاته الكثيرة.
وشعر ليوناردو بانزعاج كبير عندما اضطر عام 1513 أن يكون ضمن لجنة كبار الفنانين التي أوكلت اليها مهمة اختيار موقع جديد لتمثال «داود».
بعض الخبراء في أعمال الرجلين يتهمون احيانا مايكل انجلو بتقليد غريمه في بعض محاولاته، خاصة بعد موته، لاسيما في لوحات السيدة العذراء. وبالمقابل يرى عشاق مايكل أنجلو انه كان يتمتع بمواهب استثنائية و«ربانية» جعلته يتفوق على داڤنشي، وأحيانا كثيرة يطال النقاش نواحي شخصية لكل من الرجلين فيشار الى ان مايكل انجلو كان متدينا وابنا شرعيا لعائلة راقية وذا حظوة عند نخبة المجتمع وديبلوماسيا، بينما كان ليوناردو انعزاليا وغير متدين وغارقا في أحلامه العلمية والفلسفية.
في النهاية، لنخرج بنتيجة حول المفاضلة بين الرجلين لعلنا نتساءل: هل لأن الموناليزا رائعة روائع متحف اللوڤر حاليا تحولت الى أشهر لوحة في التاريخ، يمكن القول ان داڤنشي تفوق على منافسه في الرسم؟ وهل ما اثير عن «سرقة» مايكل أنجلو لليوناردو صحيح علميا؟ والسؤال الأهم: هل كان مايكل أنجلو يعتبر أن النحت يتقدم على الرسم بالأهمية لأنه لم يجار خصمه اللدود في هذا المجال؟!.. ربما.. وربما لا!
لوحة العشاء الأخير
أخذت هذه اللوحة التي استُوحي منها فيلم «شيفرة داڤنشي» جهدا جبارا وهي عبارة عن لوحة زيتية جدارية في حجرة طعام دير القديسة ماريا ديليه غراتسيه في ميلانو.
للأسف أدى استخدامه التجريبي للزيت على الجص الجاف ـ الذي كان تقنيا غير ثابت ـ الى سرعة دمار اللوحة، وبحلول سنة 1500 بدأت اللوحة فعلا بالتهالك والتلف، جرت محاولات خلال سنة 1725 لإعادتها الى وضعها الأصلي إلا انها باءت بالفشل. سنة 1977جرت محاولات جادة باستخدام آخر ما توصل اليه العلم والحاسب آنذاك لإيقاف تدهور اللوحة وبنجاح تم استعادة معظم تفاصيل اللوحة بالرغم من ان السطح الخارجي كان قد بلي وزال.
خلال اقامته الطويلة في ميلانو قام ليوناردو برسم العديد من اللوحات إلا أن أغلبها فُقِد أو ضاع، كما قام بإنشاء تصاميم لمسارح وتصاميم معمارية ونماذج لقُبة كاتدرائية ميلانو.
الموناليزا.. الخالدة
أشهر أعمال ليوناردو على الإطلاق بدأها عام 1503 وأنهاها في 1507 وكان ينقلها معه من شدة تعلقه بها، يقال انها لسيدة إيطالية أحبها، هي زوجة التاجر فرانسيسكو جيوكوندو، وتأتي شهرتها من سر ابتسامتها الأسطورية فتعتقد تارة انها تبتسم، وتارة اخرى انها تسخر منك، على كل فقد استخدم ليوناردو بحسب الموسوعة الحرة على الانترنت تقنيتين مهمتين في هذه اللوحة، كان ليوناردو رائد هذه التقنيات ومعلمها:
> الأولى: سفوماتو وتعني تقنية تمازج الألوان.
وهي وصف الشخصية أو رسمها ببراعة وذلك باستخدام تحولات الألوان بين منطقة وأخرى بحيث لا تشعر بتغيير اللون، مشكلا بذلك بعدا شفافا أو تأثيرا مبهما. وتجلت هذه التقنية بوضوح في ثوب السيدة وفي ابتسامتها.
> الثانية: كياروسكورو وهي تقنية تعتمد على الاستخدام الأمثل للضوء والظلال لتكوين الشخصية المطلوبة بدقة عالية جدا.
وتظهر هذه التقنية في يدي السيدة الناعمتين، حيث قام ليوناردو بإضافة تعديلات عبر الإضاءة والظل مستخدما تباين الألوان لإظهار التفاصيل.
لوحة القيامة ومشكلة مايكل أنجلو مع الڤاتيكان
اســـتدعي مايكل أنجلو للعمل في كنيسة سيستاين سنة 1534، حيث كلف بمهمة زخرفة الحائط فوق المذبح ( 1536 ـ 1541)، فاختار لوحة القيامة متأثرا بأفكار الفيلسوف دانتي.
استغرق العمل ست سنوات كاملة كانت اللوحة تعبيرا عن المجيء الثاني للمسيح ونهاية العالم، نظم الكاردينال كارافا حملة ضد مايكل أنجلو بسبب الصور العارية في تلك اللوحة الضخمة وعرفت الحملة بحملة ورقة التين وتم اتهامه بتهمة إهانة الكنيسة، وفي مفاجأة مذهلة قرر البابا ابقاء الصور كما هي وقال عبارته المشهورة: «محكمة الڤاتيكان لا صلاحيات لها في منطقة الجحيم»!