Note: English translation is not 100% accurate
أليسار ملكة قرطاجة حرمها أخوها بپغماليون من حكم صور فركبت البحر لتؤسس العاصمة الجديدة
27 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء






مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
لماذا تحولت أليسار إلى رمز للأرملة الوفية لزوجها؟
خدعت ملك البربر يابون بخدعة جلد الثور وأسست لإمبراطورية جعلت منها أشهر امرأة تولّت الحكم في التاريخ
تعتبر أليسار مؤسسة قرطاجة احدى أكثر الشخصيات النسائية نفوذا وشهرة واثارة للجدل على مدى التاريخ.
وبعد مضي نحو 29 قرنا على رحيلها لاتزال محط اهتمام المؤرخين الذين يجدون في شخصيتها وسحرها وحكمتها وذكائها وقوتها وقيادتها مكونات لم تتوافر إلا نادرا في امرأة منذ فجر البشرية.
منذ طفولتها لمس والدها ملك صور ذكاءها الشديد وأوصى لها بالحكم بالمشاركة مع أخيها پغماليون، كانت أليسار زوجة زيكاربعل كبير كهنة معبد ملقارت وصاحب الثروة الضخمة كونه المؤتمن على ما يقدم للمعبد من عطايا وقرابين.
زادت ضغوط المجتمع على أخيها پغماليون لحسم مسألة الحكم، لكنه كان يعلم بنفوذ أخته فراح يخطط بهدوء لعزلها والاستئثار بالسلطة.
بدأ المخطط بدخول پغماليون معبد ملقارت وقتله زوج أليسار سرا واخفاء آثار الجريمة عنها.
تقول الأسطورة ان زيكاربعل ظهر على أليسار بالحلم وأخبرها بالحقيقة وارشدها الى صناديق ملأى بالذهب دفنها في التراب، وطلب منها أن تترك مدينتها الأم لأنها التالية على قائمة القتل. ولكن المؤرخين لا يعتدون بهذه الرواية، ويشيرون الى ان أليسار استشفت وجود مؤامرة من الوقائع والأجواء حولها.
علمت أليسار انه لم يعد من مكان لها في صور، فماذا تفعل وهي الأميرة الطموحة التي لا تحد طموحها حدود؟
تقربت من شقيقها وأوهمته بأنها مقتنعة ببراءته من دم زوجها وراحت تخطط لمستقبلها.
جمعت النفائس والكنوز التي ورثتها عن زيكاربعل، وقالت لپغماليون انها تريد السفر في رحلة الى البلدان التي كان الفينيقيون يقصدونها في تجارتهم بأعالي البحار بدلا من البقاء طوال الوقت في قصرها، ووجد الأخ في رغبة أخته فرصة لتخلو له الساحة فزودها بما أرادته من سفن.
حرصت أليسار على ان يرتب لسفرها أقرب المقربين منها وأفراد حاشيتها الذين تولوا نقل صناديق الكنوز على متن السفن وانطلقوا معها، المحطة الأولى كانت قبرص التي رسوا على شواطئها ونظموا فيها أمورهم، ومنها انطلقوا باتجاه شواطئ شمال أفريقيا، حيث تعيش شعوب من البربر، زعيمهم الملك «يابون هارياس» بحسب ما ينقله المؤرخ الروماني يوليوس سولنيوس.
وصلت أليسار ومجموعتها الى شاطئ تونس وتحديدا قرب مدينة عتيقة التي كان العديد من التجار الصوريين يستوطنون فيها، وأوفدت مبعوثا الى يابون تطلب منحها قطعة أرض بمساحة جلد الثور على شكل نصف دائرة، فوافق.
أبدى بعض المقربين من يابون استياءهم من الصوريين القادمين وتوجسوا من وجودهم ولكن مليكهم كان يتطلع للاستفادة منهم ومن الثروات التي يحملونها ويأمل في نقل حضارة صور الى شعبه.
روايات كثيرة تنسج حول ما جرى لاحقا، فبعض المؤرخين يقول ان يابون بعدما منح أليسار الأرض باشرت ببنائها وبعد فترة قصيرة زارها وذهل بما شاهده وطلب كمقابل الزواج من أليسار التي ابدت موافقة بشرط ان يتم الزفاف بعد 3 أشهر من استكمال بناء مدينتها ومقر اقامتها. اعطت أليسار الأوامر لرجالها بتحويل جلد الثور الى خيوط رفيعة جدا تمتد لمسافة طويلة ثم لفها حول قطعة أرض ساحلية لتحيط بأكبر مساحة ممكنة، وذهل يابون بذكائها خاصة ان النظريات العلمية تثبت بهذه الحالة ان نصف الدائرة التي يشكل الساحل قطرها لجهة الشمال وفر للفينيقيين القادمين مساحة اكبر مما لو كانوا استخدموا خيوط جلد الثور في مساحة مربعة او مستطيلة او مثلثة.
ويُنقل ان أليسار بعدما ضمنت عدم نكوص يابون بوعده دخلت الى هيكل شيدته على اسم زوجها الأول وطعنت نفسها من باب الوفاء له.
وهذه الرواية تحديدا جعلتها رمزا لوفاء الأرامل على مدى قرون عديدة ولكنها غير مثبتة، فهناك من يقول انها اقترنت بيابون فعلا.
وبالمقابل هناك مؤرخون ينفون قصة الزواج أصلا بحجة انه كان محرما على أميرات صور مزج دمائهن بأبناء أعراق أخرى.
على أية حال الرواية الأقرب للواقع تبسّط الموضوع، وبينما تؤخذ خدعة جلد الثور كإشارة رمزية الى رغبة أليسار بالحصول على الأرض إلا ان تحليل الأمور تاريخيا وبحوث بعض المؤرخين تؤكد ان الحصول على تلك الأرض كان مقابل إيجار دفعته أليسار من الذهب والكنوز التي كانت تحملها، وظل أبناء قرطاجة من بعدها لقرنين من الزمن يسددون الإيجار قبل ان تبسط إمبراطورية قرطاجة نفوذها على مساحات واسعة من شمال أفريقيا وحوض البحر المتوسط وتساهم ببناء 200 مدينة ومستوطنة تابعة لقرطاجة.
أصل كلمة «قرطاجة» قرية «حدشت» واختلف المؤرخون ايضا في تفسير معناها، فبعضهم يقول انها تعني «المدينة الجديدة» والبعض الآخر يقول انها تعني «العاصمة الجديدة» لأن أليسار كانت فعلا تتطلع الى بناء دولة جديدة تنافس صور وتحقق طموحاتها الواسعة وآمالها الكبار وكان لها ما ارادت.
تميزت قرطاجة في البداية بهندسة خلابة سابقة لعصرها، عنوانها الحضارة والحياة الباذخة، نتيجة للتجارة والمعادن المستخرجة من أفريقيا وإسبانيا، وبنى القرطاجيون مرفأين على سواحل المدينة وعززوها بقلعة للحماية، وينقل ان عدد شعب المدينة ارتفع بعد 6 قرون من تأسيسها الى 700 الف، وهو عدد ضخم جدا.
ومع بدء الغزوات الآشورية لسواحل فينيقيا وتحديدا صيدا وصور وطرابلس لجأ الكثير من سكان هذه المدن الى قرطاجة وكذلك فعلوا في القرن السادس عندما اجتاحتهم جيوش نبوخذ نصر البابلية، وفي القرن الرابع قبل الميلاد عندما أخضع الاسكندر المقدوني صور بعد حصار طويل.
بعكس المدن الفينيقية على السواحل الشرقية للمتوسط، صمدت قرطاجة بقوة بوجه اليونانيين ومن بعدهم الرومان، ولم تتعرض لتهديد حقيقي إلا مع بداية الحروب البونية وتحديدا الحرب الأولى 263 - 241 ق.م. والتي احتل الرومان خلالها جزيرة صقلية.
ثم انهارت في الحرب البونية الثانية وزالت عن الوجود في الثالثة عام 146 ق.م. وحتى اللحظة الأخيرة ظل القرطاجيون أوفياء لجدتهم أليسار التي بنوا لها معبدا خاصا واستمروا يتناقلون القصص حول حياتها المثيرة.