Note: English translation is not 100% accurate
هارون الرشيد وشارلمان سطرا نموذجاً لصداقة الأمم وحوار الحضارات
6 أكتوبر 2007
المصدر : الأنباء






مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
المواجهة اليوم ليست كغيرها، فهي مواجهة من نوع خاص جمعت بين خامس الخلفاء العباسيين هارون الرشيد وشارلمان ملك الافرنج ومؤسس ما يعرف لاحقا بـ «الامبراطورية الرومانية المقدسة»، والتي استمرت من 800م حتى 1806م عندما اسقطها نابليون بونابرت وتعرف في اوروبا بالرايخ الأول.
ومن خلال الدراسات التاريخية نجد ان تلك المواجهة تجسد ابهى صورة لما يجب او يمكن ان يكون عليه حوار الحضارات. فقد تميز القائدان هارون الرشيد وشارلمان بحبهما للعلوم والثقافة والعمران والسعي الى نهضة شعبيهما، ومن خلال ذلك استطاع كل منهما ان يحفر اسمه بحروف من ذهب.
في البداية لابد من الاشارة الى ان المعطيات الاستراتيجية والتقاء المصالح كانا اساسا للعلاقة بين القائدين، كون دولتيهما كانتا تواجهان منافسة وحروبا مع عدوين مشتركين: الامويين والبيزنطيين.
فالامويون حافظوا على دولتهم في شمال غرب افريقيا رغم قضاء العباسيين على دولتهم الام ونقل عاصمتها من دمشق الى بغداد التي جعلوها مقرا لخلافتهم.
اما البيزنطيون فحافظوا ايضا على استمرار امبراطورية روما الام التي نشأت منذ القرن الثامن ق.م. وانقسمت لجزأين شرقي وغربي في القرن الثالث بعد الميلاد فاستمر القسم الغربي نحو قرنين ثم انهار وخضع لسيطرة الافرنج وبقي الشرقي حتى1413م عندما اسقطه العثمانيون ايام الامبراطور الرومي قسطنطين الحادي عشر الذي بسقوط ولايته يمكن القول ان الامبراطورية الرومانية الام عاشت 2214 سنة قد اندثرت.
عودة الى شارلمان وهارون الرشيد فقد كانت علاقتهما عنوانا للصداقة بين الشرق والغرب، وكانا يتبادلان الهدايا ومن ابرز الهدايا التي ارسلها الرشيد لصديقه الاوروبي عام 797م «فيل» في وقت كان الاوروبيون يعتقدون ان الفيل حيوان اسطوري!
ونقل الهدايا وفد افرنجي ضم فرانك لانتفرايد وسيغموند وتاجرا يهوديا يدعى اسحاق يجيد العربية. كما ارسل الرشيد لشارلمان لعبة الشطرنج التي حظيت لاحقا بشعبية كبيرة في اوروبا. ومن هداياه ايضا ساعة جدارية عملاقة تعمل بواسطة القوة المائية وتصدر صوتا قويا على رأس كل ساعة زمنية، وكانت مزودة بفُرسان يخرجون من داخلها بعدد يتوافق مع الساعة الزمنية التي يخرجون عند حلولها.
دهش شارلمان بروعة الساعة التي كانت تعكس تقدما علميا كبيرا، لكن يقال ان كهنة قصره حطموها اعتقادا منهم أنها نوع من السحر الشرير وان بداخلها شيطان!
كما كانت بين القائدين مراسلات عديدة اثمرت تسامحا كبيرا من هارون الرشيد الذي سمح لشارلمان بالاشراف على العديد من المؤسسات الدينية المسيحية في القدس والاماكن الدينية في فلسطين وامّن الحماية لدخول الحجاج المسيحيين اليها.
وعرف عن هارون الرشيد اصلا هذا التسامح تجاه المسيحيين عموما حتى اعدائه الروم الذين عقد مع ملكتهم «ايرين» (التي كانت تحكم باسم ابنها وريث العرش) صلحا لمدة 5 سنوات التزمت خلاله بدفع الجزية ولكن بعدما آل حكم «ايرين» الى شقيقها «نغفور» نكث الاخير بالصلح وكتب للرشيد انه قرر التراجع عن التزامات اخته لاعتقاده ان ما اقدمت عليه ضرب من ضروب غباء النساء!
استفزت تلك الرسالة خليفة المسلمين الذي رد على عدوه: الجواب ما سوف تراه بعينك وليس ما ستسمعه. وقاد هارون الرشيد حملتين الحقتا بالروم هزائم قاسية وقضت على الآلاف من جنود نغفور.
شارلمان من جانبه لم يكن يتوقع تعاونا من البيزنطيين الذين يدركون طموحاته بمد نفوذه على مناطقهم، كما انه خاض صراعات مريرة مع الامويين وحاول طردهم من اوروبا دون ان يفلح في ذلك واكبر مواجهاته معهم كانت في معركة «جبال الپرانس» لكنه فشل في الحاق الهزيمة بهم خلالها.
مجد الرشيد
يحيط بتاريخ الخليفة هارون الرشيد الكثير من الجدل خاصة ما يخص شخصيته، فبينما يقدمه عدد كبير من المؤرخين بصورة من الاحترام الكبير ويؤكدون على انه كان رجلا شديد التدين ويصلي 100 ركعة كل يوم لا يتركها الا لعلة، خاصة ان عهده تميز بوجود علماء اجلاء اسهموا في نشر قيم الدين الاسلامي بحرية، يصوره آخرون على انه كان رمزا للهو وحب الملذات في عصر كان عنوانا للبذخ والثراء امتدت خلاله الامبراطورية العباسية من وسط آسيا الى الاطلسي وكانت كل الشعوب الخاضعة للعباسيين في المناطق التي يحكمونها تدفع الاموال وترسل الى بغداد نسبة من خيراتها وثرواتها.
وقد قال هارون الرشيد يوما وهو يتأمل غيمة في السماء مخاطبا إياها: «امطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك» في اشارة منه الى انها حيثما امطرت فستتساقط قطراتها فوق ارض تابعة لحكمه.
لطالما ادهشت سياسة هارون الرشيد وشخصيته كبار المؤرخين الغربيين منهم قبل الشرقيين حيث ركزوا على مزاياه كقائد عسكري ورجل دولة واجه الكثير من التحديات لحكمه وتجاوز كل الازمات والتهديدات.
تولى الرشيد، وهو مولود في 763م، الحكم وهو في الـ 23 من عمره اي عام 786م واستمر في السلطة حتى 809م.
ورث الحكم عن شقيقه الهادي بمساعدة من والدته الخيزران بنت عطاء التي كانت تميز بين ابنيها لدرجة ان الهادي حاول تسميمها وفشل ثم مات في ظروف غامضة.
تأثرت الخيزران بمجموعة من البرامكة من مستشاري ووزراء زوجها الخليفة المهدي، والذين كانوا مقربين منها واستمروا في التفافهم حول هارون بعد توليه السلطة للحفاظ على مناصبهم وضمان بقائها بحوزتهم بشكل وراثي. ولما احس الرشيد بتنامي نفوذهم واطماعهم ومؤامراتهم دعاهم الى سهرة في احد قصوره وامر رجاله خلال الليل باعتقال الالاف من انصارهم وزجهم بالسجون، ثم في نهاية السهرة ابلغهم بخلعهم من مناصبهم.
اقرب زوجات الرشيد اليه كانت ابنة عمه زبيدة والدة ابنه الامين الذي دخل في منافسة شديدة مع اخيه المأمون حول الخلافة وهو ما تنبه اليه هارون الرشيد الذي جعل ابنيه يوقعان على وثيقة بأن يتولى الامين الخلافة على ان يتعهد بانتقال الحكم لاخيه بعد وفاته، لكنه منح المأمون صلاحيات واسعة ادت لاحقا الى صراع بين الاخوين ومقتل الامين.
توفي الرشيد عام 809م في مدينة طوس بخراسان بعد حياة حافلة بالانجازات وعهد اسهم في رقي حياة العرب بكافة اوجهها لاسيما الحضارية وعلى مستوى العلوم والآداب والفنون.
شارلمان
ولد شارلمان عام 742م وعاش 72 سنة حيث توفي عام 814م. حكم بلاد الافرنج بالمناصفة مع شقيقه كارلومان حتى 771م عندما مات الاخير فحكم شارلمان منفردا حتى وفاته، وفي عام 800 توّجه البابا ليو الثالث امبراطورا للامبراطورية الرومانية المقدسة نتيجة لتوطيد علاقته بالبابا وتأمين الحماية الدائمة له.
حرص شارلمان على الحفاظ على كل الثقافات في الاراضي التي احتلها وضمها لمملكته من بلجيكا وهولندا وسويسرا والنمسا وتشيكيا وشمال ايطاليا وفرنسا واحاط نفسه بعلماء من كل هذه الدول.
جعل من مدينة اخن (في المانيا) عاصمة له وبنى فيها قصرا وكنيسة له. وفيها اسس المدارس النظامية بنموذجها المعروف اليوم من حيث إلزامية الحضور.
عبرة
يشكل شارلمان والرشيد نموذجا حيا لما يمكن ان تكون عليه العلاقة اليوم بين الشرق والغرب، فكل منهما كانت له حساباته السياسية ودينه ووضعه الخاص ومع ذلك اسسا لعلاقات قائمة على الاحترام والصداقة واثبتا لنا ان ذلك ليس بمستحيل، قبل اكثر من 1200 سنة من الآن!