Note: English translation is not 100% accurate
معركة ثيرموييلاي: الأقلية الشجاعة مع ليونيداس قلب الأسد قهرت الأكثرية المتغطرسة بقيادة كسرى
4 أكتوبر 2007
المصدر : الأنباء






مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
معركة ثيرموييلاي: الأقلية الشجاعة مع ليونيداس قلب الأسد قهرت الأكثرية المتغطرسة بقيادة كسرى
تجسد معركة «ثيرموپيلاي» نموذجا فريدا بين أشهر معارك التاريخ، وعادة ما تحظى باهتمام العسكريين الذين يجدون فيها الكثير من عناوين البطولة والمهارة والدروس المهمة.
وهذا ما دفع اخيرا هوليوود الى تحويلها الى فيلم «300» الذي استقطب الملايين من عشاق السينما حول العالم لمشاهدته.
دارت أحداث المعركة التي استمرت 3 أيام في عام 480 ق.م وكان طرفا النزاع فيها جيش الفرس بقيادة كسرى (أحشويروش الأول ابن داريوس الأول الذي كان يلقب بملك الملوك من قبل شعبه) المكون من 100 الى 300 ألف جندي بحسب التقديرات التي يوفرها المؤرخون وجيش اسبارطة بقيادة الملك ليونيداس، معناه «ابن الأسد» الذي واجه أعداءه بجيش قوامه 300 مقاتل فقط ومعهم 700 من المتطوعين.
استطاع الاسبرطيون خلال المعركة ان يواجهوا الفرس بشراسة ويمنعوا تقدمهم في موقعة «ثيرموپيلاي» التي كانت تطل على خليج ماليس باليونان والمحصنة ببوابات ضخمة وجدار عجز الفرس عن اقتحامها لاعتقادهم بعدم وجود منافذ غير المنفذ الرئيسي، وهو طريق ضيق الى المدينة لا يسمح إلا بمرور عربة واحدة، وعانوا الأمرين وتكبدوا 2500 قتيل قبل ان يدلهم شاب في المدينة يدعى «افيلياتس» - سيتحول على مدى العصر الى رمز للخيانة لدى الإغريق - الى منفذ خلفي عبر الجبال تمكنوا عبره من محاصرة خصومهم داخل ميدان المعركة ومهاجمتهم من الخلف حتى قضوا على 298 منهم بعد معاناة شديدة وبشق الأنفس.
رغم الهزيمة، لقد سمحت المعركة لأهالي أثينا بإعداد اسطولهم لمواجهة الفرس في البحر والانتصار عليهم في معركة «سالاميس» لاحقا التي اجبرت كسرى على مغادرة ميدان المواجهة عائدا الى آسيا بعد تكليفه ماردونيوس بمواصلة القتال عنه، لكن الاسبرطيين المعبئين ضد الفرس سيجمعون قواهم مجددا ليلحقوا الهزيمة الحاسمة بأعدائهم في معركة «پلاتيا» التي انهت الحرب الإغريقية - الفارسية ومنعت امتداد الإمبراطورية الفارسية الى أوروبا.
قصة مؤثرة
لطالما اشتهر الاسبرطيون بتنشئتهم العسكرية القاسية وشجاعتهم النادرة واجادتهم لفنون القتال وعنفوانهم وبأسهم الذي تغنى به كبار مؤرخي وفلاسفة وشعراء اليونان، خاصة هوميروس في «الإلياذة» و«الأوديسة» وأفلاطون الذي كان يرى ان عسكريي المدينة الفاضلة لابد وان يكونوا على مستوى من الشجاعة والقوة اللتين يتميز بهما اهالي اسبرطة.
بدأت القصة بتهديد وجهه كسرى الى المدن الإغريقية بضرورة الخضوع لإمبراطوريته وكان يحاول الاستفادة من كون الاغريق يعيشون في حالة من التشتت في مدن ودويلات تكن كل منها للأخرى الحسد والغيرة، لكن كسرى لم يكن يعلم ان الخطر سيجمع الاخوة - الأعداء لمرة، كما يقول المثل الشائع اليوم «أنا وابن عمي على الغريب».
الرد الإغريقي على كسرى كان مهينا فأثينا أقدمت على إعدام رسله، أما اسبرطة فكانت اكثر شراسة، طلب احد اعضاء وفد كسرى أن تكون مياه الأنهار والأراضي في المدينة خاضعة لامبراطوريته، فما كان من الاسبرطيين إلا ان رموه ومرافقيه في بئر قائلين لهم: احفروا وابحثوا عن المياه بأنفسكم!
في عام 481 ق.م أي قبل عام من المعركة وافق قادة المدينتين أثينا واسبرطة على عقد حلف دفاعي وراسلا باقي المدن فحصلتا على أجوبة من بضعة عشرات منهم وأسسوا جيشا يضم نحو 10 آلاف من أمهر الرماة.
اختار كسرى موعدا للمعركة الفترة التي كان الاغريق يشاركون فيها بالألعاب الأولمبية على سفح جبل الأولمب، وهي ضمن فترة دينية كانوا لا يحبذون خلالها خوض الحروب.
علم الاسبرطيون باقتراب جيش الفرس فجمع ليونيداس رجاله لكنه اشترط ان يكون لكل منهم ابن يحمل اسمه - إذا لم يعد - وان يكون الابن قادرا على إعالة أسرته، ليونيداس نفسه لم يكن له أبناء فسألته زوجته غورجو وهي ابنة أخيه وهو يشد الرحيل عن هذه المفارقة فأجابها: احرصي على الزواج برجل خيّر وانجبي منه ذرية صالحة!
وتقول الأسطورة ان ليونيداس قبل ان يتوجه الى المعركة استشار «الأوراكل» (آلهة الإلهام والحكمة) فكان الجواب ان اسبرطة امامها احد أمرين إما أن تسقط بأيدي أبناء فارس أو أن تبكي ملكا من ملوكها من ذرية «هرقل» الكبير الذي وحده يمكنه ان يهزم الأعداء ولا تقهره أسود أو ثيران.
عرف ليونيداس عندها انه المعني بالأمر واختار ان يكون المنقذ لشعبه من ذل الاحتلال.
في الجهة المقابلة، يروي المؤرخ هيرودوتس ان كسرى قبل اقدامه على حملته على المدن اليونانية استشار ديماراتوس وهو قائد اسبرطي منفي لجأ اليه فأجابه الأخير: بحسب معرفتي بأهل اسبرطة فهم لن يقبلوا بشروطك ابدا لأنها ببساط تعني العبودية وهم مؤمنون بأنهم احرار وسيقاتلونك حتى آخر رجل لديهم مهما كان عددهم.
ويضيف هيرودوتس ان كسرى ضحك ساخرا من كلمة «أحرار» وقال لديماراتوس انه ليس أمام اعدائه خيار فمهما كان حجم جيشهم فهو لن يتجاوز 8% من عديد جيش الفرس المدعوم بأسطول ضخم وبالتالي فلا خيار أمام الاسبرطيين إلا الاستسلام أو الإبادة.
ومع ان ديماراتوس حذر كسرى من انه اذا لم ينجح في اختبار اسبرطة فإن كل شعوب العالم لن تستسلم أمامه بعد اليوم إن قرر غزوها. لكن الملك الفارسي أصر على المضي قدما بنفس يأكلها الغضب والغيظ بسبب تصرف الاسبرطيين والأثينيين مع موفديه.
صدقت توقعات ديماراتوس وخسر الفرس في اليوم الأول للمواجهة آلاف الرجال وصمد الاسبرطيون الذين كانوا يعلمون ان الأمل ليس بالنجاة وانما بالصمود لاعطاء أطول فترة ممكنة للإغريق بالاستعداد.
فقد أرسل كسرى في اليوم الأول 10 آلاف من قواته من الميديين (نسبة لقبائل كردية) الذين أراد لهم ان يتحملوا العبء الأكبر من المعركة، لكنهم فشلوا في احداث اختراق في الجدار الذي كان الاسبرطيون قد بنوه وواجهوهم عبره بالنبال والرماح الطويلة.
وثبت هنا تفوق الاسبرطيين بعنصرين مهمين: أولا رماحهم الطويلة التي كانت اكثر فعالية من تلك التي كان الفرس مزودين بها، كما كانت دروع البرونز التي يرتديها الاسبرطيون اكثر فعالية في الحماية من دروع الفرس.
أمام هذا الواقع شاهد كسرى الآلاف من جنود جيشه يتساقطون، فقرر ان يرسل في اليوم التالي 20 الفا من أشرس جنود الفرس لكنهم لم يفلحوا ايضا في الاختراق.
وفي اليوم الثالث زاد عدد المهاجمين على 50 الفا ولكنهم جوبهوا بصمود شرس وخسائر متزايدة حتى قيل انه كتب لكسرى ان يشاهد تكرار نفس المشهد 3 مرات!
لم يأت بصيص الأمل الذي سينجي ملك الفرس من كابوس إلا عندما جاء «افيلتياس» الخائن ليقود الفرس الى ثغرة خلفية في جبل يقود الى الموقعة فسلكوه وانقضوا على الاسبرطيين من الخلف ليقضوا عليهم، يساعدهم اضطرار الاسبرطيين للقتال لساعات طويلة دون مداورة ومع كل ذلك فإن الأمر لم ينته إلا بعد قتال عنيف بالسيوف استبسل خلاله ليونيداس ورجاله.
زادت الخسائر الهائلة من شدة حنق كسرى الذي أمر بعد العثور على جثة ليونيداس ان يقطع رأسه وان يصلب جسده.
ويقول هيرودوتس إن هذا المشهد لم يكن اعتياديا على الاطلاق لدى الفرس الذين اعتادوا ان يعاملوا العدو الذي يظهر بشجاعة ضدهم باحترام وشرف!
بعد انسحاب الفرس من ارض المعركة اقترب رجال من المناطق المجاورة ودفنوا جثث القتلى اليونانيين، وبنوا في الموقع تمثالا بشكل أسد لتخليد ليونيداس الذي نقلت رفاته الى اسبرطة بعد 40 عاما، وفي كل عام كان أهالي المدينة ينظمون ألعابا رياضية تحمل اسمه.
غصن زيتون
استغرب تريتاخموس وهو احد كبار قادة جيش الفرس قلة عدد الاسبرطيين في المعركة، وعندما تقدم الاغريق سألوا أهالي المنطقة عن السبب وراء قلة عدد الجيش الذي واجههم فأجابوا ان غالبية أهالي الرجال الأشداء يشاركون في الألعاب الأولمبية، وسأل تريتاخموس: وما الجائزة التي يتنافسون عليها؟ فأتاه الرد: غصن زيتون.
هنا خاطب تريتاخموس كبير قادة الجيش مورادينوس قائلا له: أي نوع من الرجال هم هؤلاء الذين أتيتم بنا لنقاتلهم، رجال يبارزون من اجل الشرف وآخر همهم الثروات والأموال؟
انقسام ووحدة
رغم التجربة المريرة استمرت المدن الإغريقية بعد ابعاد خطر الفرس منقسمة في جو من التنافس الشديد ولم تتوحد لاحقا الا على يدي فيليبوس المقدوني وابنه الاسكندر بعد نحو 120 عاما من معركة «ثيرموپيلاي» (سبق ان استعرضنا مواجهة الاسكندر وداريوس الثالث في الحلقة الأولى من سلسلة مواجهات يشهد عليها التاريخ).