Note: English translation is not 100% accurate
مواجهة أميري شعر الفصحى والعامية قصة من قصص الزمن الجميل
28 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء








مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
«اني اخشى على الفصحى من بيرم» هذه كانت عبارة امير الشعراء احمد شوقي التي انتقاها ليعلق على عبقرية بيرم الشاعر المبدع والانسان المرهف الاحساس والمناضل الذي قاسى ما قاساه من جور الحياة ومشقتها.
بعكس احمد شوقي الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب لم يولد بيرم في قصر بل ترعرع فقيرا وعاش حياة متواضعة وانتظر سنوات طويلة قبل ان ينال الجنسية المصرية ويجعل ايام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وجائزة الدولة التقديرية التي نالها عام 1960 قبل سنة من وفاته. ولعل اجواء طفولته كان لها الأثر الاكبر في شعره الشعبي الساخر الذي اسس لمدرسة مهمة في النقد الاجتماعي والسياسي.
من شهادة امير الشعراء يستشف ان بيرم كان ملك العامية التي نهل منها اشعاره وازجاله فاستحوذ عبرها على قلوب عشاقه واصدقائه من كبار رموز الوسط الثقافي والفني في مصر.
ولكن اذا اختلفت ظروف حياة الرجلين في كثير من النواحي فإنها تتشابه في نواح اخرى تعتبر على درجة كبيرة من الاهمية خاصة في الجانب النضالي. فأشعار كل منهما هزت الاستعمار وكانت وقود التظاهرات في مرحلة استيقظ خلالها الحس القومي فشعر احمد شوقي كان حاضرا دائما في التظاهرات العرابية (نسبة الى الثائر احمد عرابي) ضد الانجليز واشعار بيرم تصدرت الهتافات في الثورات الطلابية عامي 1935 و1946 التي طالبت بعودة العمل بالدستور وتظاهرات 1947 ضد قرار الأمم بتقسيم فلسطين والاعتراف باسرائيل.
وكلاهما ذاع صيته على مستوى العالم العربي فشوقي اولى اهتماما كبيرا للاوضاع في سورية ولبنان ايام الانتداب الفرنسي وندد في قصيدته الشهيرة «نكبة دمشق» بالعدوان الفرنسي على دمشق قائلا:
سلام من صبا بردى أرق
ودمع لا يكفكف يا دمشق
وتحتوى القصيدة على بيت رائع يضاهي بروعته روعة البيت الشهير لأبو القاسم الشابي:
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلابد ان يستجيب القدر
حيث قال شوقي في قصيدته:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
اما اشهر قصائد بيرم فكانت قصيدته عن المجلس البلدي في الاسكندرية التي ينتقد فيها تعسف المجلس في فرض الضرائب لدرجة مشاركة الناس في كل ما يجنونه او يملكونه.
ظروف متناقضة
ظروف حياة الرجلين كانت مختلفة فأحمد شوقي ولد بالقاهرة عام 1868 وكانت جدته لأمه كبيرة وصيفات قصر الخديوي اسماعيل، اخذته من والديه وربته وحرصت على تلقيه الدراسة في اهم المدارس. وبعد اتمامه لدراسته الثانوية دخل مدرسة الحقوق ونال شهادة بالترجمة وأوفده الخديوي توفيق الى فرنسا لاستكمال دراسة الحقوق والتعرف على الحضارة والثقافة الفرنسية. وعاد شوقي الى مصر عام 1894. وكما ايام توفيق حافظ شوقي على افضل العلاقات مع الخديوي عباس من بعده، لكنه اصطدم بالانجليز الذين اضطروا عام 1914 لنفيه الى اسبانيا مع اندلاع الحرب العالمية الاولى ولم يعد حتى 1920.
في عام 1927 بويع اميرا للشعراء العرب من قبل لجنة ضمت شعراء مرموقين بينهم خليل مطران وحافظ ابراهيم.
وتوفي بعد 5 سنوات من نيله هذا اللقب الرفيع عام 1932.
اما بيرم التونسي فولد في حي فقير من احياء الاسكندرية في 3 مارس 1893 من اصول تونسية، ادخله ابوه الى معهد ديني بعمر الـ 14 بعدما كان تلقى تعليمه الاول في عدد من الكتاتيب، لكن وفاة ابيه اضطرته لترك التعليم والعمل في الدكان الذي تركه له.
ثقافته التي كونها من نهمه لمطالعة الكتب خاصة القديمة منها سهلت دخوله الى عالم الصحافة معززا بسلاطة لسانه وجرأته، وفي عام 1919 اصدر مجلة المسلة ثم مجلة الخازوق وكان نصيبهما الفشل وملاحقة السلطات له بسبب مقالة ساخرة كتبها عن زوج فوقية ابنة الملك فؤاد.
هنا لابد من الاشارة الى ان صداقة حميمة جمعت بيرم في طفولته مع سيد درويش ابن الاسكندرية التي كانا يلتقيان في مقاهيها. وفي احدى المرات اختبأ بيرم في منزل سيد درويش خلال مطاردة السلطات له.
لم يطق العيش في تونس التي لم يجد فيها ترحاب اقاربه بعد نفيه اليها فانتقل منها الى فرنسا ثم اعيد الى تونس طردا ومنها انتقل الى الشام حيث شاعت ازجاله حتى بلغت اصداؤها سلطات الانتداب الفرنسي فطرد من سورية ليعود الى مصر حيث حصل بالواسطة على عفو ملكي وفيها واصل مسيرته الى ان نال الجنسية التي انتظرها طويلا.
علاقة الأميرين
رغم فارق العمر الا ان شوقي وبيرم تبادلا الاعجاب، ونتيجة لشهادة الاول للثاني اصبح البعض يعرف بيرم علــى انـــــه «امـــيــــر الــــزجـــــــل»او «اميــر الشعــر الشعبي».
ام كلثوم وعبدالوهاب
ارتبط الشاعران الكبيران بعلاقة صداقة وطيدة مع كوكب الشرق «ام كلثوم» التي غنت لبيرم 39 قصيدة ولشوقي 10.
مدح شوقي ام كلثوم واحب صوتها وفي اواخر ايامه دعاها الى منزله فزارته مع والدها وشقيقها خالد وغنت فأطربته، وكان يستأذن من وقت لآخر خلال السهرة ويدخل فاستغربت ذلك ثم اكتشفت انه كان يقوم ليدون ابياتا من الشعر. وفي احدى المرات زار شوقي ام كلثوم في منزلها واهداها قصيدة «سلوا كؤوس الطلى» لكنها لم تغنها في حياته. قيل ان السبب في عدم غناء السيدة ام كلثوم لقصائد شوقي الا بعد سنوات من رحيله هو علاقته المميزة بغريمها اللدود في بداياتها الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي كان على علاقة مميزة بأمير الشعراء. ومن اشهر قصائد شوقي التي غنتها ام كلثوم الى جانب «سلوا كؤوس الطلى»، «سلوا قلبي»، و«ولد الهوى».
اما بيرم فتعرفت عليه ام كلثوم عام 1941 بعدما قدمه لها صديقهما المشترك الشيخ زكريا احمد. وقد تعاون الثلاثة في اعمال رائعة اشهرها «انا في انتظارك»، «الأولة في الغرام»، «غنيلي شوي شوي»، «قوللي ولا تخبيش يا زين»، «الورد جميل». كما كتب بيرم للسيدة 3 قصائد شهيرة اخرى لحنها رياض السنباطي وهي «شمس الاصيل»، «الحب كده» و«القلب يعشق كل جميل».
أعمال اخرى
الى جانب القصائد كتب شوقي العديد من المسرحيات اشهرها: مصرع كليوباترا ومجنون ليلى بينما قدم بيرم للاذاعة المصرية اعمالا تاريخية مهمة منها «سيرة الظاهر بيبرس».
بعد عقود على رحيل الشاعرين، يبقى ارثهما القيم حاضرا بغناه وعمقه ووجدانيته التي تسحرنا وتأخذنا كلما عدنا اليها او اتت الينا.