عواصم ـ د.ب.أ: عندما ظهرت جماعة «بوكو حرام» الإسلامية الراديكالية لأول مرة في نيجيريا عام 2004، لم تساور الشكوك أحدا ـ باستثناء القليل من الناس ـ في أن حملتهم لتأسيس خلافة متزمتة لن يكتب لها البقاء.
وتوقع المحللون في بادئ الأمر اندلاع العنف بشكل متقطع لكن لم يكن هناك ثمة خطر مستمر على الأمن العام في هذا البلد صاحب أكبر كثافة سكانية في أفريقيا.
وبمرور سبعة أعوام على ظهور «بوكو حرام»، كانت الجماعة قد حصدت أرواح المئات وأعلنت مسؤوليتها عن هجمات منسقة على كنائس في احتفالات أعياد الميلاد ما أثار ما أسمته بعض الجماعات المسيحية «بذور صراع ديني».
ولم تكن بوكو حرام تؤخذ دائما على محمل الجد. فعندما ذاع صيتها لأول مرة، كان معسكر الجماعة في مدينة مايدوجوري شمالي البلاد يطلق عليه «أفغانستان» على سبيل الفكاهة بينما كان يدعى زعماءها الذين أطلقوا لحاهم «طالبان».
ولم تكن هناك أبدا ثمة صلة موثقة لـ «بوكو حرام» بالمتطرفين الإسلاميين في أفغانستان لكن تلك الممازحات كانت محاولة لتصنيف السلوك المتناقض للجماعة في بادئ الأمر.
وكان الراديكالي الشاب محمد يوسف هو أول من تزعم جماعة بوكو حرام وهو من أعلن أن طلب المعرفة يتناقض مع العقيدة الإسلامية الصحيحة. ولذا فقد سميت الجماعة بهذا الاسم الذي يعني بلغة الهوسا النيجيرية أن «التعليم الغربي خطيئة».
لكن الغريب أن يوسف هذا الذي قتل خلال تبادل لإطلاق النار مع الشرطة عام 2009 حاصل على مؤهلين اثنين من الجامعة وألحق أولاده بمدارس تتبع النمط الغربي.
ويقول سكان مايدوجوري إن يوسف كان كثيرا ما يتجول في المدينة بسيارة مرسيدس. ما قاد المعلقين إلى استنتاج مفاده أن نهم الجماعة إلى السلطة في نيجيريا كان أقوى من دعوتها للصراع بين الأديان. وربما يكون هذا الوضع مازال قائما.
لكن في أعقاب تفجيرات يوم الميلاد التي لقي خلالها ما لا يقل عن 40 شخصا حتفهم وأدت إلى جرح نحو 60 آخرين، قالت بعض الجماعات المسيحية إن «بوكو حرام» تسير في طريق الجهاد الإسلامي. من بين تلك المجموعات جمعية المسيحيين في نيجيريا التي التقى رئيسها، القس آيو اوريتسيجافور، الرئيس النيجيري غودلاك جوناثان الأربعاء الماضي وقال إن الهجمات «تعد إعلانا للحرب على المسيحيين ونيجيريا ككيان».
وعلى الرغم من أن عددا المنتمين لجماعة «بوكو حرام» يبلغ بضعة آلاف فقط في بلد يبلغ تعداد سكانه 160 مليون نسمة، فقد قال المحللون إن تاريخ نيجيريا مع الشغب الديني لا يدعو إلى انتشار الخوف. وقال شولا أدينيران الخبير بشؤون نيجيريا في الجمعية الملكية الأفريقية بلندن إنه «إذا ما كان هناك تأثير على المسلمين المعتدلين ضد المسيحيين فستكون هذه مشكلة خطيرة». أما المحللة النيجيرية كيسي أجيمان توغوبو فقالت إن بوكو حرام تنظر إلى الأجزاء التي لا تطبق الشريعة من البلاد على أنهم «كفار». وكان تطبيق الشريعة قد بدأ في 12 ولاية نيجيرية من أصل 36 ولاية عام 2000.
وأضافت أن الشمال أيضا «أقل تطورا بشكل عام من الجنوب ويبدو أن السياسات الاقتصادية الليبرالية تنحاز إلى الطبقة المتوسطة المزدهرة في الجنوب حيث انطلقت قطاعات الصرافة والتصنيع وحيث يوجد مقر الحكومة».
وفي عام 2009، أشار تقرير نشره محللون متخصصون في شؤون غرب أفريقيا في منظمة (اي اتش اس جلوبال انسايت) إلى أن قوات الأمن النيجيرية فوضت باستعمال «جميع الوسائل الممكنة لاحتواء العنف لكن إساءة استغلال تلك الصلاحيات على نطاق واسع من المرجح أن يتسبب في رد فعل عنيف في مرحلة ما». وقد يكون ذلك هو ما يحدث حاليا.
وقعت التفجيرات الأخيرة بعد سلسلة من المداهمات والعمليات التي نفذتها قوات الأمن والتي كان من بينها اكتشاف عدد من مصانع القنابل واعتقال أعضاء بارزين في جماعة بوكو حرام قبيل الكريسماس.
وأمام الرئيس جوناثان وهو مسيحي من جنوبي البلاد مهمة التطرق إلى الخطر القائم في الوقت الذي ينتقد فيه المواطنون مسلمين ومسيحيين أسلوب معالجته للأزمة.
لكن منافسه الرئيسي، زعيم المعارضة والحاكم العسكري السابق محمدو بوهاري قال إن الرئيس يحكم بـ «كلمات معسولة» فقط. ويخشى المحللون من وقوع المزيد من الهجمات خلال الأسابيع المقبلة.