Note: English translation is not 100% accurate
أما آن للأسرة الدولية أن تتجاوز فكرة شن الحروب من أجل السلام؟
18 ابريل 2008
المصدر : الانباء
رولف كاريري ـ مايكل ناجلر
تقول الحكايات الشعبية المتداولة عن بوذا، إنه تمكن من وضع حد لحرب كانت تدور رحاها بين ملكين بسبب نهر تنازعا عليه، بتوجيه سؤال جريء وصاعق لهما: «أيهما أثمن الماء أم الدماء»؟ فهل يمكن لعامة الناس العاديين أن يستوحوا ذات الحكمة والشجاعة لمراجعة أنفسهم في النزاعات التي تدور بينهم بسبب النفط أو الماء أو الهوية؟ لقد فعل الزعيم الهندي «المهاتما غاندي» ذلك بالفعل، بإنشائه لفرق مدنية أطلق عليها اسم «شانتي سينا» الذي يعني «جيش السلام» الذي نشر أفراده في أنحاء مختلفة من الهند، وكلفوا بمهمة وقف أعمال العنف والشغب المدنيين، إضافة إلى تقديم مختلف خدمات حفظ السلام.
وخلال الاعوام الـ 25 الماضية، انتشرت قوات حفظ السلام غير المسلحة هذه - التي لا تلجأ لاستخدام وسائل العنف - في شتى مناطق النزاعات حول العالم، بما فيها تلك التي شهدت نزاعات دموية عنيفة، بهدف إحلال السلام وحماية المدنيين من أعمال العنف التي تستهدفهم، فضلا عن السعي لإشاعة الحكمة ونبذ الجنون الذي يصيب المجتمعات أحيانا، وبعيدا عن اللجوء لاستخدام العنف، تعمل هذه القوات السلمية على نشر استراتيجيات مصاحبة المدنيين من أجل حمايتهم، إلى جانب الحضور بصفة شاهد عيان على الأحداث والنزاعات، ومراقب للحملات الانتخابية، فضلا عن خلق المناطق المحايدة، بل تقدم هذه القوات على التدخل المباشر لوقف النزاعات العنيفة بين الطرفين أحيانا، مثلما فعل تدخل «بوذا».
ثم إن هذه القوات تؤدي دورا في غاية الأهمية على الرغم من أن معظمه يظل خفيا هادئا وبعيدا عن الأنظار والصحافة، على رغم صغر حجمها مثل: إنقاذ الأطفال الجنود، حماية ناشطي حقوق الإنسان الرئيسيين، وكذلك حماية سكان قرى بحالها، نزع فتيل العنف قبل انفجاره، إلى جانب رفع مستوى الأمن العام في حماية المجتمعات المحتقنة بالنزاعات.
وعلى سبيل المثال، ففي الآونة الأخيرة كانت إحدى قرى جزيرة «مينداناو» الفلبينية تعيش حالة تهديد من قبل جماعتين مسلحتين تصاعدت التوترات بينهما إلى حد جعلهما تقتربان من بعضهما بمسافة لا تزيد على 200 متر فحسب، ولما بدا الاصطدام المسلح وشيكا بينهما إلى هذا الحد، لجأ كبار القرية إلى قوة حفظ السلام غير المسلحة المرابطة في جزر الفلبين، فما كان من القوة إلا أن هبّت لإنقاذ الموقف قبل أن ينفجر، ونشط أعضاؤها في التدخل المكثف بين المجموعتين المسلحتين، ما أسفر عن إقناعهما بالتراجع عن بعضهما، وبذلك تمكنت القوة بفضل الوساطة وحدها من نزع فتيل العنف وحقن الدماء.
السؤال هنا: لم لم يسمع أحد بهذا الدور الإيجابي؟ والإجابة أن مثل هذا الدور هو مما لا تنشغل به الصحافة أو تلتفت إليه مجرد التفات، على أن الإجابة الأعمق التي تفسر هذا الإهمال المقصود، هي التعصب السائد والمسبق للفكرة القائلة: إن في وسع الحكومات أو القوات المسلحة وحدها - بما فيها تلك التابعة للأمم المتحدة - احتواء النزاعات، لما لديها من وسائل وإمكانات تؤهلها لذلك، ففي حين خوّل مجلس الأمن الدولي «استخدام كل الوسائل الممكنة لحفظ السلام والحيلولة دون اندلاع النزاعات العنيفة»، يلاحظ أن الأمم المتحدة لم تول الاهتمام نفسه لعمليات السلام الواسعة النطاق التي تقوم بها قوات مدنية غير مسلحة.
بيد أن العقبة الكبرى أمام هذا الطريق حتى الآن، هي الاعتقاد السائد بأن القوة لا تنبع إلا من فوهات البنادق والمدافع، ويقوم هذا الاعتقاد الخاطئ على فكرة وجود نوع واحد فحسب من القوة، ألا وهو قوة التهديد، ولكن آن للأسرة الدولية أن تتجاوز هذا الاعتقاد الخاطئ، ذلك أن فكرة شن الحروب من أجل السلام قد ثبت هراؤها وإفلاسها، إلى جانب كونها مكلفة للغاية، سواء كانت هذه التكلفة بشرية أو مادية أو لها صلة بالحريات المدنية، والعراق تقدم أبرز مثال على ذلك، وفي المقابل فإنه ينبغي للعرف الدولي الراسخ عن «مسؤولية الحماية» أن يحفز الأسرة الدولية على الاستعانة بالجماعات المدنية، واللجوء إلى الوسائل غير العنيفة في ممارسة مسؤولية الحماية هذه، وعلى الرغم من أن هذا المبدأ الدولي يتضمن التدخل العسكري في بعض الأحيان، إلا أنه يقوم في الأساس على مبدأ دولي ناشئ للتو في مضمار الأمن الإنساني وحقوق الإنسان، يرمي إلى وضع حد لإخفاق الأسرة الدولية في الحيلولة دون وقوع جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب إجمالا وجرائم التطهير العرقي.
وربما لايزال البعض يعتقد أن جماعات حفظ السلام المدنية هذه - البعيدة عن العنف - «غير مسلحة» ومنزوعة الأسنان تماما، بيد ان الحقيقة أنها وُهبت أقوى قوة عرفتها البشرية على الإطلاق، ألا وهي «قوة اللاعنف»، يذكر أن قوة حفظ السلام المدنية السلمية هذه، تسعى إلى توسيع فرقها الميدانية البالغ عدد أعضائها 70 عضوا في الوقت الحالي، بحيث يصل إلى 2000 عضو بحلول العام 2012، وبالفعل تلقت القوة طلبات عضوية من أفراد ينتمون إلى 55 دولة من شتى أنحاء العالم، من الذين أبدوا استعدادا لشغل أي من الوظائف الشاغرة بالقوة.
عن «كريستيان ساينس مونيتور»صفحة قضايا في ملف ( PDF )