Note: English translation is not 100% accurate
نعوم تشومسكي يحرك الساكن بكتابه الجديد «صنع المستقبل»
12 فبراير 2012
المصدر : نيويورك ـ أ.ش.أ

هاهو المفكر والمثقف الأميركي الكبير نعوم تشومسكي يحرك الساكن من جديد بكتابه «صنع المستقبل» الذي يحظى كالعادة باهتمام واسع النطاق سواء داخل الولايات المتحدة أو على مستوى النخب الثقافية في الغرب ككل وهو يتحدث بضمير المثقف الشريف عن شرعية المقاومة لعمليات الغزو والاحتلال وأوهام الامبراطورية الأميركية. ويحوى الكتاب تحليلا ثقافيا ـ سياسيا بالغ الثراء للخطاب السياسي للمحافظين الجدد الذين هيمنوا على ادارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وكانوا وراء سلسلة من القرارات الكارثية لأميركا والعالم.
في هذا الكتاب الجديد، يتناول نعوم تشومسكي قضايا بالغة الأهمية للعالم العربي على وجه الخصوص ويحلل طبيعة الدوافع والقوى التي كانت وراء قرارات خطيرة مثل غزو العراق ويسلط أضواء كاشفة على مواقف قيادات وزارتي الخارجية والدفاع ووكالة المخابرات المركزية (سي.آي.ايه). الغريب أن بعض القيادات الاحترافية في الخارجية الأميركية والبنتاغون والمخابرات اعترضت على عملية غزو العراق لكن هذه الاعتراضات ـ كما يكشف تشومسكي ـ ذهبت ادراج الرياح أمام النفوذ العاتي للمحافظين الجدد الذين احاطوا بجورج بوش وشغل كثير منهم مواقع نافذة في ادارته. وإذا كان بعض المعلقين والنقاد في الصحافة الغربية من أصحاب النزعة أو التوجهات اليمينية قد تحدثوا عن مخاطر «شيطنة أميركا» واعتبر بعضهم أن تشومسكي وقع في فخ الشيطنة مثل المحافظين الجدد الذين يهاجمهم بضراوة، فإن هذا المثقف الكبير يؤكد من جديد في كتابه على مواقفه المبدئية الرافضة لدعاوى الحروب التوسعية والأوهام الامبراطورية، معيدا للأذهان أنه عارض الحرب الأميركية على العراق منذ البداية. ويسخر تشومسكي من صلف وعجرفة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الصغير وهو يتحدث عن صنع الامبراطورية وفرض الواقع الأميركي بما يتضمنه من حقائق ومعطيات على العالم كله، فالأميركيون هم ممثلو التاريخ وهم الذين يصنعونه كما اعتقد بوش الصغير. الكتاب الجديد مجموعة طروحات ومقالات للمفكر الأميركي الكبير نعوم تشومسكي الذي لم تكن علاقته ودية بأي حال من الأحوال مع الرئيس السابق جورج بوش وما كان لهما أن يتفقا أبدا على أي شيء، وكيف لمثقف من الوزن الثقيل مثل تشومسكي أن يتفق مع رئيس مثل بوش اندفع للغزو واحتلال أراضي الآخرين في افغانستان والعراق متأثرا بأوهام امبراطورية ونزعات امبريالية وهو يردد مزاعم الرغبة في نشر الديموقراطية على النمط الأميركي بينما نائبه ديك تشيني لا يخفي تلمظه للثروة النفطية العراقية؟!
ويعتبر تشومسكي أن القرار الأميركي بغزو العراق كان واحدا من اسوأ القرارات الكارثية للمحافظين الجدد بقدر ما كانت الحرب الأميركية في هذا القطر العربي حربا بلا معنى رغم بشاعتها وآثارها المأساوية على جيل بأكمله من الأميركيين أنفسهم. ويضرب نعوم تشومسكي المثل على ضمير المثقف الحق عندما ينتقد في كتابه الجديد بشدة اولئك الساسة الأميركيين المنتمين للتيار الليبرالي الذين عارضوا الحرب الأميركية على العراق ليس بسبب الخطأ المبدئي لهذه الحرب وإنما بسبب تكاليفها الكبيرة ومخاطرها الجسيمة أو لأن بعضهم اعتبرها «غير ضرورية وغير مضمونة النجاح».
ومن هؤلاء الساسة الذين انتقدهم تشومسكي بشدة بسبب هذا الموقف الانتهازي وغير المبدئي الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما والرئيس السابق بيل كلينتون، فيما يتوغل في عملية التحليل لطبيعة الحرب الأميركية على العراق ليخلص إلى أن هذه الحرب تعبر بجلاء عن الامبريالية بقدر ما تكشف عن جوهر الطابع الاجرامي والشرير لنظام يحلو له أن يضع للآخرين معايير الديموقراطية.
إنه كتاب يأتي في وقت تعاني فيه الرأسمالية الأميركية من أزمة عميقة استدعت الكثير من المراجعات للنموذج الأميركي الذي يراهن البعض على أنه يتجه للأفول بين ارتباكات الداخل وشماتة الخارج، أما الدال والطريف فهو «حالة الانكار» التي تعترى بعض سدنة المحافظين الجدد بنمط تفكيرهم وثقافتهم التي تكاد تودي بالحلم الأميركي ككل. وإذا كانت القوة الأميركية قد بلغت ذروتها عام 1945 مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصارها الكبير في هذه الحرب الكونية كما يذهب البعض فإن نعوم تشومسكي يرى أن هذه القوة تتراجع الآن أمام كل ذي عينين.
غير أن الأمل لأميركا والعالم يكمن في الناخب الأميركي ان تمكن عبر صندوق الانتخابات من إسقاط ما يسميه المفكر الكبير نعوم تشومسكي «نمط ثقافي أفضى لحالة من الاختلال العقلي الحاد في المجتمع الأميركي»، فهل يفعلها الأميركيون ويصنعون حقائق جديدة أفضل لمستقبلهم ومستقبل العالم ككل بعيدا عن حقائق المحافظين الجدد وثقافة الصلف والزج بالدين في السياسة؟!
من وجهة نظر تشومسكي فإن الوقت قد حان ليدافع المواطن الأميركي عن حلمه في السعادة ويلحق الهزيمة بثقافة سادت على مدى الـ 20 عاما الأخيرة ولم يتمكن باراك اوباما من هزيمتها بصورة جذرية.