Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
تركيا بعد «الاتفاق النووي»: إفادة اقتصادية ومراجعة سياسية
15 ديسمبر 2013
المصدر : الأنباء

الاتفاق بين إيران والغرب له صفة تاريخية، وستكون له تأثيرات تتخطى حدود إيران إلى المنطقة كلها، والعالم سيكون على عتبة حساسة من الديبلوماسية وصراع القوة، وإيران أعلنت النصر بانتزاع حقها في التخصيب، وتركيا أعطت دعمها للاتفاق الذي سيقوي العلاقات الاقتصادية بين البلدين بنسبة كبيرة. بعد الآن سيتدفق الغاز والنفط الإيرانيان إلى أوروبا، وستتقدم أولويات مشاريع الطاقة على المساومات النووية وطبعا عبر تركيا. وبالاتفاق النووي سيكون بإمكان تركيا أن تتلافى خسائر بقيمة ستة مليارات دولار هذا العام نتيجة الحظر المفروض على إيران.
تركيا هي من بين الدول التي أعربت عن سرورها من اتفاق جنيف النووي، لأنها كانت منذ البداية إلى جانب الحل السلمي للأزمة، وهي عملت على ذلك مع البرازيل في العام 2010، ما قاد إلى إعلان طهران النووي الذي عارضته حينها الولايات المتحدة. أما مع الاتفاق الجديد، فستكون العلاقات التركية ـ الإيرانية أكثر ارتياحا، وستتطور العلاقات الاقتصادية حيث ستتحرر انقرة من الضغوط. وفي وقت تخربت فيه العلاقات التركية مع بعض الدول في المنطقة، فإن التقارب الجديد مع إيران سيكون مفيدا لإقامة توازنات إقليمية جديدة.
واذا نجحت ايران والدول الكبرى (مجموعة 5 + 1) في تطبيق الاتفاق المرحلي وأتبعته باتفاق دائم يحول طموحات طهران الى امتلاك سلاح نووي قوة اقتصادية وسياسية، يرجح أن تحل تركيا في صدارة المستفيدين من هذه التطورات. وتنعقد ثمار هذا المنعطف على مسارين، الأول مباشر قوامه الفرص الاقتصادية المترتبة على رفع الحصار عن إيران وطي العقوبات، إذ يمكن تركيا أن تضاعف حجم تجارتها مع إيران الى الضعفين، حيث لم توصد أنقرة الابواب التجارية والاقتصادية كلها في وجه طهران في مرحلة العقوبات الغربية، وتنتظر المشاركة في مشاريع النفط والغاز الإيرانية. والمسار الثاني تنجم عنه مصلحة غير مباشرة، فدرء الأسوأ يساهم في استقرار المنطقة. فلو أن التوتر الإيراني ـ الغربي تواصل، وصنعت إيران سلاحا نوويا، لوجدت أنقرة في سباق تسلح ينهكها اقتصاديا، ووسط اتون حرب اقليمية تقضي على أحلام وآمال الاستقرار والأمن، والنمو الاقتصادي. طبعا من المبكر إعلان تبدد هذه الأخطار، اذ يجب أولا أن نرى الاتفاق النهائي يبرم بعد ستة أشهر، ونرى إيران تبدأ بالتنفيذ وتمضي قدما في إرساء الاتفاق من غير تراجع. وأمامنا مدة ليست قصيرة، خلالها يسع من يريد أن يهدم هذا الاتفاق أو يخربه اقتناص فرصها. والاتفاق هش، وهو في مهب أخطار كثيرة.
وتركيا يمكنها اليوم أن تؤدي دورا مهما في مد جسور الثقة بين إيران والغرب لتمر الأشهر الستة المقبلة بسلام. لكن هذا الدور رهن سعي تركيا الى كسب ثقة إيران وغيرها، بعد سياساتها في المرحلة الماضية والتي خلفت شرخا بينها وبين دول عدة في المنطقة. فأنقرة التي تشغلها أحلام الزعامة الدينية للسنة في المنطقة وسط التوتر الطائفي الحاصل، لا يمكنها لعب هذا الدور. وحري بها العودة الى انتهاج سياسة خارجية معتدلة وعلمانية محايدة، واتخاذ خطوات جريئة على طريق التغيير في السياسة الخارجية التركية، وإلا لن تخرج من مستنقع مشكلات ليست لها فيها ناقة ولا جمل، وستخسر فرصا ذهبية مقبلة. فالسياسات غير العقلانية لحزب العدالة والتنمية أفقدت تركيا حضورها وتأثيرها في المنطقة بدءا من أحداث جيزي في الداخل، ومن ثم تغليب العوامل الاخوانية في الموقف من إطاحة الإخوان المسلمين في مصر. وفشل تركيا في سورية، وانهيار آمال أنقرة على الربيع العربي، بل تحول تركيا نفسها الى ساحة ضد الديموقراطية واتباع سياسات مذهبية أوقعتها في حالة من العزلة، وأفقدتها فرصا كبيرة وعكست عدم كفاءة الطاقم الحاكم.
وما يحصل في الواقع أن إيران هي التي تعرض على تركيا التوسط بينها وبين النظام في سورية. إن هذا العرض يعكس أمرين: الأول أن إيران باتت بعد الاتفاق النووي تستشعر في نفسها القوة والثقة بأنها يمكن أن تلعب أدوارا إقليمية مهمة وأنها ستلعب هذه الأدوار بسياسة الانفتاح الجديدة التي تعتمدها، والثاني الواقع المر لحال تركيا، اذ انها كانت إلى سنوات قليلة البلد الذي يتصدى لأدوار الوساطة ومن دون وضع أي حدود لهذا الدور، حتى تحولت الوساطة إلى قطاع جديد للسياسة الخارجية التركية. تلك الأدوار الوسيطة بين سورية وإسرائيل وبين سورية والعراق وبين حماس وفتح وبين باكستان وأفغانستان وبين اللبنانيين. ومع أن بعض الوساطات لم تنجح، لكن هذا الدور أكسب تركيا هالة على الساحة الدولية. لكن أنقرة في السنوات الأخيرة فقدت هذه الصفة وباتت طرفا في عدد كبير من المشكلات، ومن الأمثلة على ذلك علاقاتها بسورية والعراق ومصر وفلسطين وإسرائيل. «الاتفاق النووي» فيه فائدة أكيدة للاقتصاد التركي. أما سياسيا، فليست واضحة بعد تأثيراته على تركيا، لكنه سيساعد أنقرة على الاستمرار في سياسة جديدة بعيدة عن الأيديولوجيا وعن وهم قيادة العالم السني إلى سياسة أساسها الاقتصاد. وقد كانت زيارة داود أوغلو إلى بغداد وطهران مؤشرات على هذا التحول.
أكثر من سبب يمكن ان يكون دافعا لتركيا لتغيير أسلوبها في السياسة الخارجية من دون الجزم بما ستنتهي إليه:
1 ـ تركيا كانت ولاتزال جزءا من السياسات الغربية ـ الأميركية في المنطقة. وهي كانت قادرة ضمن هوامش معينة للتمرد على السياسة الأميركية، ولكن اتفاق موسكو الكيميائي والعمل لعقد مؤتمر «جنيف 2» كان حاسما لجهة الضغط على تركيا للانخراط في المرحلة الجديدة.
2 ـ جاءت التغييرات في مصر والإطاحة بنظام «الإخوان المسلمين» لتفقد تركيا أحد المرتكزات الأساسية لمشروعها في المنطقة، واستتبع ذلك انهيار العلاقات مع السعودية ودول الخليج، فكان الاستدراك في بدء التفكير بإعادة العلاقات مع دول الجوار، ومنها ايران والعراق.
3 ـ بدء مرحلة التقارب الأميركي ـ الإيراني وما يعنيه ذلك من انعكاسات كبيرة على طبيعة التوازنات الإقليمية، وتحسس تركيا لهذا المعطى الجديد. الأمر الذي دفع بأنقرة إلى بدء مرحلة من التقارب مع ايران.