فيما يلي النص الحرفي لمخلص تقرير الحرب على غزة كما كتبه المراقب العام للدولة في إسرائيل يوسف شابيرا، وصدر مؤخرا.
بدأت عملية «الجرف الصامد» في قطاع غزة في 7 يوليو 2014 واستمرت حوالي 50 يوما، حارب خلالها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وقادته بشجاعة وعزم ضد حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني.
وأسفرت العملية عن سقوط 74 قتيلا من الجانب الإسرائيلي، منهم 68 جنديا وخمسة مدنيين وعامل أجنبي واحد، وجرح الآلاف من الجنود والمدنيين.
وأطلق من غزة على إسرائيل 4251 صاروخا، وكانت تلك من أطول المعارك التي شهدتها دولة إسرائيل منذ قيامها.
قبل عملية «الجرف الصامد» بعدة شهور (فبراير 2014) أصدرت تعليمات لإجراء فحص في مسألة «التعامل مع تهديد الأنفاق»، وذلك بعدما تبين أن هذا التهديد جدي وآخذ بالتطور، وتم تعريفه على لسان القادة السياسيين والعسكري والأطراف الاستخبارية بصفته تهديدا استراتيجيا.
وخلال الفترة ما بين يونيو وحتى نهاية أغسطس 2014، وهي الفترة التي تمت خلالها عمليتا «شوفو أحيم» (عودة الإخوة) و«الجرف الصامد»، أصدرت تعليماتي لتأجيل الفحص باعتبار أنه «حين تدوي المدافع تخرس الأقلام»، ومادامت العملية مستمرة فقد تأجلت الرقابة ولم تعرقل سير العملية.
وبعد عملية «الجرف الصامد» وفي شهر سبتمبر 2014 قررت مواصلة الرقابة والفحص في مسألة «التعامل مع تهديد الأنفاق»، وقررت الشروع بثلاثة فحوصات أخرى: «الاستعداد لوقاية الجبهة الداخلية من تهديد الصواريخ والقذائف الصاروخية»، «ممارسات الجيش الإسرائيلي من وجهة نظر القانون الدولي»، و«إجراءات اتخاذ القرارات في المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) قبل عملية» الجرف الصامد «وفي بدايتها».
انتهى التحقيق في مسألة «الاستعداد لوقاية الجبهة الداخلية من تهديد الصواريخ (وقاية مادية وإنذار وإخلاء سكان)» وتم نشر نتائجه في شهر نوفمبر 2016 في الفصل الأول من فصول التقارير الأربعة المتعلقة بعملية «الجرف الصامد».
وأشار التحقيق إلى نواقص وفجوات كبيرة في جوانب مختلفة من الوقاية المدنية، والتي من شأنها الحد من قدرة السكان على الاحتماء من المخاطر المترتبة على الجبهة الداخلية أثناء الحرب، مع التشديد على البلدات القريبة من الحدود الشمالية للبلاد.
ولم ينشر بعد تقرير الرقابة في مسألة «ممارسات الجيش الإسرائيلي من وجهة نظر القانون الدولي»، حيث ينظر التحقيق في هذا الشأن بتطبيق الاستنتاجات والتوصيات التي تم التوصل إليها من احداث سابقة اضطرت إسرائيل بسببها إلى التعاطي مع القانون الدولي.
إن الغاية من الفصلين المنشورين الآن في هذا التقرير النظر في مستوى جاهزية المستوى السياسي والجيش لإدارة المعركة واتخاذ القرارات المتعلقة بها، وذلك لكي يتسنى استخلاص العبر من خلال استنتاجات التقرير على رفع مستوى الجاهزية تحسبا للمعركة القادمة، والتي من شأنها أن تندلع مرة أخرى في منطقة قطاع غزة وربما في مناطق أخرى، وقد تكون أشد من سابقاتها.
وقد قامت بإجراء الرقابة فرق تحقيق ماهرة ومهنية، وقرأت وراجعت آلاف المستندات المتعلقة بممارسات الجيش والمستوى السياسي، وقامت بتحليل محاضر الجلسات المناسبة من مداولات الكابينت للحكومة الـ 33 بخصوص قطاع غزة، إلى جانب محاضر مباحثات كثيرة تمت في الجهاز الأمني، ومن جملتها مباحثات لدى وزير الأمن ورئيس الحكومة في السنة التي سبقت عملية «الجرف الصامد» وخلال العملية.
كما قامت الرقابة بمراجعة ودراسة التحقيقات التي أجراها الجيش بخصوص العملية.
عقدت فرق الرقابة عشرات الجلسات بداية من المستويات الدنيا وانتهاء بأعلى المستويات، بل قامت بالتشاور مع مستشارين محترفين من الدرجة الأولى.
وقامت الفرق بكل تلك الأعمال لضمان إجراء فحص مهني في المسائل التي تقرر التحقيق فيها ولكي يتاح استخدام نتائج التقرير لتحسين الإجراءات.
وعلاوة على ذلك ونزولا عند طلبهم، التقيت برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس الأمن القومي سابقا، يوسي كوهين، ورئيس أركان الجيش السابق، الفريق المتقاعد بيني غانتس ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقا الجنرال أفيف كوخافي، وذلك لكي يشرحوا لي مواقفهم بالنسبة لنتائج التقرير، اضافة الى الردود الخطية التي قدموها، بحيث تم كل ذلك في جو منفتح وبرغبة صادقة وتم أخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار.
التقرير الأول من مجموعة التقارير هذه يتناول مسألة «إجراءات اتخاذ القرارات في المجلس الوزاري الأمني المصغر بخصوص قطاع غزة قبل عملية «الجرف الصامد » وفي بدايتها».
وتمحور التقرير في إجراءات اتخاذ القرارات في «الكابينت» بصفته ذراع الحكومة التنفيذية والذي يخضع الجيش لإمرته بموجب القانون، وعليه فإن الجيش يخضع لسلطة الكابينت في الأمور المتعلقة بالأمن القومي ويتأثر من القرارات التي يتخذها الكابينت في الأمور المصيرية المتعلقة بأمن الدولة.
وإزاء الانعكاسات المحتملة لتلك القرارات، فهناك أهمية حاسمة للكابينت، حيث لا يجوز في دولة ديموقراطية إبقاء تلك القرارات بأيدي عدد صغير جدا من صناع القرار.
وتبين من التقرير أن كابينت الحكومة الـ 33 لم يعقد جلسات لوضع أهداف استراتيجية بالنسبة لقطاع غزة منذ أن تم تأسيسه وطيلة ما يقارب السنة، وحين عقد أخيرا جلسة مباحثات استراتيجية، فقد قام بمراجعة بدائل محدودة فقط بخصوص درجات شدة العمل العسكري.
ولم يبحث أي خيار سياسي كما انه لم يبحث الأوضاع الإنسانية الصعبة في قطاع غزة، والتي قد يكون لها انعكاسات على دولة إسرائيل وفقا لتقديرات الجهاز الأمني، في سبيل البحث عن طرق لمنع التصعيد المحتمل.
بل إن ما تم من تحديد لأهداف استراتيجية بعد أن عرض الجيش على الكابينت خططه التنفيذية بخصوص قطاع غزة، خلق حالة تعين منها على الجيش أن يحدد لنفسه الأهداف وأن يضع خطط عملية ليست مشتقة من أهداف المستوى السياسي بالنسبة لقطاع غزة، إنما من الأهداف التي وضعها الجيش لنفسه.
وعليه، فإن مناقشة تحديد أهداف المستوى السياسي واستراتيجيته بالنسبة لقطاع غزة بعد المصادقة على الخطط العملية يشكل خللا لكونه منحرفا عن النظام الصحيح لمسار اتخاذ القرارات في مثل هذه المسائل.
إن أحد المبادئ الأساسية التي يعتبر تطبيقها شرطا لقيام مسار سليم لاتخاذ القرارات هو تلقي معلومات كافية وتحليلها، فالمعلومات الجزئية أو غياب المعلومات يحد كثيرا من قدرة صناع القرار على تحليل ومراجعة البدائل والاحتمالات والمخاطر المترتبة عن كل بديل قبل اتخاذ القرار.
ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة في كل ما يتعلق باتخاذ قرارات بالنسبة لتحركات الجيش التي قد تكون لها انعكاسات كثيرة مؤثرة وينجم عنها تهديد لحياة المواطنين، ولهذا آثرنا أن يتمحور التحقيق في سيرورة اتخاذ القرارات والمعلومات التي تم وضعها تحت تصرف الكابينت قبل عملية «الجرف الصامد» وفي بدايتها، وذلك لكي نتحقق فيما إذا كانت هذه المعلومات وافية لتقديم صورة واضحه لوزراء الكابينت في الوقت المناسب ولجعلهم يشاركون بالكامل في صياغة إمكانيات العمل والاهداف الاستراتيجية بشأن قطاع غزة.
وذلك لكي يتاح للمستوى العسكري الاستعداد للمعركة بتوجيه من المستوى السياسي.
لم يتعرض التحقيق لجودة القرارات أو لإدارة العملية بالتفصيل، إنما تمحور في كيفية اتخاذ القرارات.
ولقد تبين من التقرير أن الوزراء لم يتلقوا خلال جلسات المباحثات التي سبقت عملية «الجرف الصامد» معلومات مهمة وضرورية لأجل اتخاذ قرارات صائبة- ومنها على سبيل المثال معلومات عن أعمال عدائية مهمة واستراتيجية كانت ستصدر من غزة باتجاه إسرائيل ومعلومات عن الفجوات الاستخبارية الكبيرة التي كانت في حينه في منطقة قطاع غزة وعن القيود التي كانت قائمة حينها بالنسبة للضربات الجوية في قطاع غزة، وذلك على الرغم من توافر تلك المعلومات تحت تصرف رئيس الحكومة ووزير الأمن السابق ورئيس الأركان السابق ورؤساء أجهزة المخابرات - رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس جهاز الأمن العام السابق.
كما تبين أن تهديد الأنفاق من قطاع غزة، والذي وصفه رئيس الحكومة ووزير الأمن السابق بصفته تهديدا استراتيجيا وفي غاية الخطورة، لم يعرض أمام الكابينت بالتفصيل، إنما بتصريحات عامة وقليلة وغير كافية لشرح خطورة التهديد وحجمه لباقي وزراء الكابينت، بحيث أتيح فهم جوهر التهديد فقط من خلال الجمع بين الأقوال التي وردت في جلسة الكابينت في 30 يونيو 2014 وفي جلسة الكابينت المنعقدة في بداية شهر يوليو 2014.
كذلك تبين أنه عندما تم التطرق لتهديد الأنفاق في مناقشات الكابينت، لم يبد الوزراء اهتماما بالموضوع ولم يطلبوا الحصول على معلومات أوسع بخصوص ذلك التهديد ولم يطلبوا من الجيش أن يعرض عليهم استعداداته وتدابيره للتعاطي مع هذا التهديد.
ولم يتحقق رئيس الحكومة ووزير الأمن السابق ورئيس الأركان السابق من وجود خطط عملية لدى الجيش للقتال في محيط مشبع بالأنفاق ولمواجهة تلك الأنفاق أثناء القتال، وهو أمر كان له أن يلزم في سياق مناورة عسكرية في قطاع غزة- وهي مناورة كانت بمنزلة فرصة لمعالجة التهديد الذي لم تتوافر له في حينه حلول أخرى ناجعة بدرجة كافية.
تبين من التحقيق أنه قد طرأ تحسن ملحوظ على مكانة مجلس الأمن القومي الذي يلعب دورا مهما ومميزا وفق ما تحدد في قانون مجلس الأمن القومي، والذي يتيح له التعاطي بمجال الأمن القومي.
ومع ذلك تبين وجود عقبات تعرقل قيام مجلس الأمن القومي بمهامه وتشكل حجر عثرة في بداية طريقه وأدائه كهيئة وظيفتها مساعدة «الكابينت» ودعم مساره في اتخاذ القرارات.
إن القصور الذي تم اكتشافه في سيرورة اتخاذ القرارات في الكابينت، كما ورد تفصيلا في التقرير، يشير إلى لزوم ترسيخ صلاحيات ووظائف الكابينت، بما فيه نوع المعلومات التي يتعين تسليمها للكابينت والمواضيع التي يتعين عليه البت فيها وحسمها والحالات التي تستوجب اجتماعه أو موافاته بالمستجدات، وذلك لضمان اتخاذ القرارات بالتوافق مع مبادئ دولة إسرائيل الديموقراطية ولزيادة ثقة الجماهير بسلامة سيرورة وجودة اتخاذ القرارات في الكابينت.
إن الجدير بالمستوى السياسي أن يهتم بنتائج التحقيق وتوصياته في تلك المجالات حين يناقش توصيات لجنة عمل الكابينت التي عينها رئيس الحكومة برئاسة اللواء المتقاعد يعقوب عميدرور.
كما يجدر برئيس الحكومة المؤتمن على تطبيق قانون مجلس الأمن القومي أن يتخذ خطوات لتحسين مسارات العمل في مجلس الأمن القومي ولتعاون هيئات أخرى مع هذا المجلس، حيث من شأن ذلك تحسين كيفية اتخاذ القرارات في الكابينت.
من جهة اخرى، فإن التقرير بشأن «التعامل مع تهديد الأنفاق» يقع في جملة هذه التقارير ويتمحور في التعاطي الاستخباراتي مع التهديد وبناء قوة وتفعيلها في مواجهة التهديد وكذلك يتمحور في التعاطي مع التهديد على المستوى التكنولوجي.
ففي عام 2007 نشر مراقب الدولة تقريرا تطرق فيه الى تعامل الجيش مع تهديد الأنفاق في السنوات 2001-2004 حين كان الجيش متواجدا في قطاع غزة.
وجاء في التقرير أن الوضع الذي كان قائما حينها كان بمنزلة «فشل متواصل في معالجة مشكلة الأنفاق».
وتبين من التحقيق الحالي أن قوة التهديد قد زادت خلال السنوات المنصرمة منذ نشر التقرير، بل تم الإعلان عن هذا التهديد كتهديد استراتيجي في العام 2013 وكانت هناك نواقص في جميع مركبات تعامل الجيش والجهاز الأمني مع ذلك التهديد في المجالات التي تمت مراجعتها، ولم يتم بذل جهود كافية بخصوص التهديد، وحتى حين تم بذل جهود في هذا الاتجاه فقد كانت تلك جهودا متأخرة ولم تف بالحاجة التي لربما كان بالإمكان تحقيقها قبل عملية «الجرف الصامد» لو تم بذل جهود مبكرة.
وخلال السنوات التي سبقت عملية «الجرف الصامد» تم حقا بذل جهود لجمع معلومات استخبارية كثيرة من خلال التعاطي مع تهديد الأنفاق، لكن هذه الجهود لم تكن بمنزلة مجهود شامل ومشترك لجميع منظومات ووحدات الاستخبارات العسكرية.
وبرغم بذل جهود استخباراتية لا بأس بها في تلك السنوات وبرغم تعامل الجهات الأمنية مع تهديدات ملموسة أخرى، إلا أنها لم تكن جهودا تليق بازدياد تهديد الأنفاق وتحديد خطورته، كما جاءت على لسان رئيس الحكومة ورؤساء الجهاز الأمني وأجهزة الاستخبارات.
فقط في نهاية عام 2013 وبعد أن اكتشفت في الأراضي الإسرائيلية خلال سنة واحدة ثلاثة أنفاق عابرة من قطاع غزة، قام جهاز الاستخبارات العسكرية بتصعيد التعامل مع تهديد الأنفاق بشكل ملحوظ وكذلك فعل جهاز الأمن العام.
وفي مسألة تشكيل القوة وإعداد خطط عملية، تم العثور على نواقص جوهرية في جاهزية الجيش، وذلك بسبب غياب مفاهيم عملية على مستوى هيئة الأركان وغياب مناهج عمل في وحدات الجيش واذرعه المختلفة قبل بداية عملية «الجرف الصامد» بسبب نقص التدريب وبسبب نقص التزود بالآليات الحربية اللازمة لمواجهة الأنفاق، وبسبب غياب خطط عملية للقتال في محيط تكثر به الأنفاق وعدم وجود خطط للتعامل معها أثناء القتال، وكذلك بسبب قلة جاهزية سلاح الجو والفضاء لمعالجة هذا التهديد.
إن جميع هذه الأمور أجبرت القوات البرية والجوية على التعاطي مع تهديد الأنفاق خلال عملية «الجرف الصامد» دون أن تتهيأ لذلك، وفقط بعد ان تم عداد خطة «الدفاع الأمامي» في «اللحظة الأخيرة»، وبفضل شجاعة وإصرار وعزم القادة والجنود بات الجيش قادرا على القتال في محيط الأنفاق في قطاع غزة، حيث سعوا إلى تنفيذ المهام الملقاة عليهم وعملوا كل ما بوسعهم للتعاطي مع الأنفاق وتحقيق الإنجازات التي تحققت من هذه العملية.
وأخص بالذكر عمليات الجهاز الأمني قبل عملية «الجرف الصامد»، حيث لم تقدم تلك العمليات ردا لائقا لمتطلبات أمن سكان المنطقة القريبة من غزة، والذين صبروا على مدى سنوات وتحملوا الهجمات من قطاع غزة.
وقد تبين من التحقيق أنه لم يتم تعزيز المقومات الأمنية في البلدات المحيطة بغزة خلال الفترة التي سبقت عملية «الجرف الصامد»، وليس هذا وحسب، بل تم تقليص تلك المقومات الأمنية، بما فيه حجم القوات المخصصة لحماية الجبهة الداخلية.
وتزداد خطورة الأمر بالأساس إزاء القدرة المحدودة التي توفرت للجيش قبل العملية للكشف عن الأنفاق الهجومية التي اخترقت الأراضي الإسرائيلية قدوما من قطاع غزة.
وقد قلل هذا الأمر من الشعور بالأمان لدى سكان البلدات المحيطة بغزة. يتعين على الجهاز الأمني أن يعمل كل ما يلزم لدعم السكان وتعزيز الغلاف الأمني الذي يحتاجون اليه، وعلى الجهاز الأمني استخلاص العبر من الادارة غير السليمة والعيوب التي سبقت عملية «الجرف الصامد».
أما على الجانب التكنولوجي فقد تبين من التحقيق أنه حتى عام 2010 كانت «هيئات البحث والتطوير» في الجيش تتعامل مع تهديد الأنفاق برؤية محدودة وأفق ضيق اعتمادا على منظومة مركزية واحدة للكشف عن الأنفاق وتحديد مواقعها.
وبعد فشل هذه المنظومة في عام 2010 بدأت حقا هيئات البحث والتطوير في الجيش وفي وزارة الأمن العمل على توفير حل أوسع وأعمق للتعامل مع هذا التهديد، لكن العمل تم بوتيرة لم تتوافق مع تنامي التهديد ومع المتطلبات العملية، وعدم الالتفات الكافي للمجالات المركزية في التعاطي مع التهديد وفي ظل إشراف غير سليم من هيئة الأركان العامة.
إن غياب الحل للتهديد في مجال البحث والتطوير اضطر وحدات من الجيش للمبادرة إلى تنفيذ عمليات أدى بعضها إلى تنمية قدرات ملحوظة كتلك التي لجأت إليها القوات في عملية «الجرف الصامد» وأدت إلى تغيير جوهري في كل ما يتعلق بمعالجة الأنفاق خلال العملية.
ولا بد لي من الإشارة بإيجاب إلى التحسن الذي طرأ في البحث والتطوير بعد عملية «الجرف الصامد» في كل ما يتعلق بتطوير قدرات مناسبة لاستخدامها في الحالات العادية وفي حالات الطوارئ، بل وتم إثبات هذا الأمر ميدانيا وكذلك من خلال التقدم المحرز في مجال الآليات الحربية التكتيكية المتوفرة للقوات المناورة.
ووجدت من الصواب الإشارة بإيجاب إلى الجهود الكبيرة التي يبذلها الجيش وباقي الأجهزة الأمنية منذ عملية «الجرف الصامد» في سبيل تحسين ممارساتهم في جميع المجالات التي تناولها التحقيق وفي مساعيهم لبناء القوة وفي مجهود الاستخبارات وفي البحث عن حلول تكنولوجية، إلى جانب ما تم إحرازه من تقدم في كل مجال من مجالات العمل.
غير أنه يتعين على الاطراف المختصة أن تتعلم وتستخلص العبر من سيرورة اتخاذ القرارات في تلك المجالات التي سبقت عملية «الجرف الصامد»، وعليها معالجة تلك المسائل على مستوى هيئة الأركان العامة وكذلك على مستوى وزارة الأمن لأجل مواصلة تحسين التعامل مع تهديد الأنفاق ولكي تستخلص العبر بالنسبة لمواجهة أي تهديد استراتيجي قد يتشكل مستقبلا، ومن خلال نظرة أخرى متعمقة لرئيس هيئة الأركان ولوزير الأمن بخصوص الهيئة التي تلزم الجيش لتركيز الجهود في سبيل إيجاد الحل الأفضل لتهديد الأنفاق على تشعباته خلال أقصر وقت ممكن وبخصوص الموارد اللازمة لهذا الأمر.
الخاتمة
إن فصول التقرير الأربعة التي ورد ذكرها هنا تتناول مجالات مركزية لعمل الجهاز الأمني والمستوى السياسي، والتي كانت عملية «الجرف الصامد» بالنسبة لهما بمنزلة «حجر المحك».
إن استخلاص العبر من العيوب التي تم كشفها في مختلف فصول التقرير واعتماد توصياته من شأنها أن تساعد في تحسين عمليات اتخاذ القرارات ومسارات العمل في مواضيع أخرى عديدة ترتبط بالجاهزية للتصدي لمختلف التهديدات في مختلف المجالات من خلال التشديد على التهديدات الاستراتيجية وتحسين مسارات العمل المشتركة للمستوى السياسي والمستوى العسكري.
وهناك مجال لقيام مؤسسة مراقبة الدولة برقابة وفحص تلك المسائل ومسارات اتخاذ القرارات بخصوصها، حيث تقع تلك المسائل في صميم عمل الجهاز الأمني والجهاز السياسي الذي يتخذ القرارات ويواجه المسائل الأمنية القومية لدولة إسرائيل.
وأوصي جميع الهيئات التي تمت مراقبتها والهيئات المرتبطة بالموضوع بتكريس جهودها لدراسة التقرير واستخلاص العبر منه لأجل تحسين عمليات اتخاذ القرارات ومسارات العمل على جميع المستويات بغية الاستعداد بطريقة أفضل لمواجهة التهديدات القائمة والتهديدات المتنامية والاستعداد للمواجهة العسكرية التي قد تندلع ربما دون سابق إنذار.
يوسف حاييم شابيرا
قاض(متقاعد) مراقب الدولة ومندوب شكاوى الجمهور