منذ أسابيع تتجمع الغيوم الداكنة في سماء المنطقة التي دخلت للتو في «دينامية حرب»، المؤشرات تفيد أن الحرب باتت وشيكة وأنها في حال وقوعها لن تقتصر هذه المرة على ضربات أميركية موضعية محددة وإنما ستمتد لأيام... الأنظار تتجه إلى واشنطن لرصد الرد الأميركي ضد دمشق وكيف سيكون وبأي حجم، كما تتجه إلى طهران لرصد الرد الإيراني المحتمل ضد إسرائيل ردا على هجومها على مطار عسكري (تي فور) وأهداف إيرانية.
والسؤال المحوري يدور حول روسيا وكيف ستتصرف في حال وقعت الضربة الأميركية أو في حال حصل الاشتباك الإيراني الإسرائيلي؟! أجواء الحرب تتكون، التطورات تتسارع في ظل مؤشرات مقلقة ومتدافعة هذه أبرزها:
١- إلغاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب رحلة الى أميركا الجنوبية هذا الأسبوع «لمتابعة الرد الأميركي ضد سوريا والإشراف على التطورات في أنحاء العالم»، وفق ما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض.
٢- إلغاء وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس خططا للسفر الى ولايات بالحدود الجنوبية الأميركية.
٣- اجتماعات «عسكرية» رفيعة المستوى في البيت الأبيض، حيث ترفع لائحة خيارات عسكرية للرئيس ترامب، ومن هذه الخيارات: استهداف مطارات وقواعد عسكرية سورية يعتقد أنها القواعد المستخدمة في شن الهجمات الكيماوية. استهداف القدرات العسكرية التقليدية للنظام ووحدات برية والوحدات الجوية التي تلقي البراميل المتفجرة. توجيه ضربات مكثفة ومركزة لأن ضربة واحدة لا تكفي... وتلحظ الخيارات من جهة وجوب تجنب أهداف روسية داخل سوريا، ومن جهة ثانية دعم الضربات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سوريا.
٤- مرابطة المدمرة البحرية «دونالد كوك» في شرق البحر المتوسط، وهي من أبرز القطع البحرية الأميركية المحملة بصواريخ «توماهوك» التي استخدمت في الهجوم الأميركي ضد سوريا في مثل هذا الوقت من العام USS «الماضي، وتوجه حاملة الطائرات «هاري ترومان» الى البحر المتوسط. كما يتوقع وصول مدمرة الى المنطقة بعد أيام، وهو ما يشكل مجموعة ضاربة من الأسطول الحربي الأميركي في أكبر حشد «Porter يشهده شرقي المتوسط.
٥- مشاورات عاجلة يجريها ترامب مع فرنسا (ماكرون) وبريطانيا (تيريزا ماي) لبحث مسألة اشتراك الحلفاء الأوروبيين في ضربة عسكرية ضد سوريا، وحيث يتقاطع الموقفان الأميركي والأوروبي عند نقطة «عدم السماح باستمرار الهجمات بالأسلحة الكيماوية وضرورة الرد عليها»، وفي حال إقدام الولايات المتحدة على ضربة عسكرية سريعة، فإن الشريك الأوروبي الأكثر احتمالا سيكون فرنسا بسبب تعقيدات قانونية تعيق المشاركة البريطانية، إذ يستدعي الأمر حصول الحكومة على موافقة البرلمان للاشتراك في ضربة عسكرية مع الولايات المتحدة.
٦- حرب ديبلوماسية ومواجهة ضارية بين الولايات المتحدة وروسيا مسرحها مجلس الأمن، حيث تم بالڤيتو الروسي إسقاط مشروع قرار أميركي لتشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤول عن الهجمات الكيماوية في دوما. وتم بالتصويت إسقاط مشروع قرار روسي يدعم محققي منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الذين سيزورون موقع هجوم كيماوي في سوريا.
٧- وصول موفد روسي خاص الى طهران للبحث في التهديدات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، ووصول مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي الى دمشق للبحث مع القيادة السورية في التطورات.
٨- إعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (بعد محادثاته مع ماكرون في باريس) أن بلاده مستعدة للانضمام الى الحملة الدولية ضد النظام السوري إذا ما استدعى الأمر ذلك... ومقابل ذلك سربت طهران (الحرس الثوري) أنها ستقصف السعودية بالصواريخ إذا قامت بالاعتداء على سوريا.
٩- صدور تحذير لشركات الطيران من ضربات محتملة في سوريا خلال ٧٢ ساعة.
في الولايات المتحدة وبعد اكتمال حلقة الصقور والمتشددين في إدارة ترامب، ثمة إجماع على استخدام القوة العسكرية والقيام بما أحجم الرئيس السابق أوباما عن القيام به عندما لم ينفذ الخط الأحمر الذي رسمه على الرمال (استخدام الأسلحة الكيماوية).
وفي إسرائيل، إجماع أيضا على ضرب إيران في سوريا وعدم السماح لها بترسيخ أقدامها مهما بلغ الثمن، كما قال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، ولأول مرة منذ سنوات اتخذ قادة جميع الأجهزة الأمنية في إسرائيل، موقفا مؤيدا للخطاب السياسي للحكومة فيما يتعلق بالنشاط الإيراني في سوريا، وأبدوا في الأسابيع الأخيرة موقفا حازما ومتشددا وموحدا يرمي إلى صد الوجود الإيراني ودفع طهران إلى سحب قواتها. ومع أنهم لا يتحدثون عن أعمال حربية في الوقت الحاضر، إلا أنهم يتحدثون عن التصميم على منع النفوذ الإيراني العسكري في سوريا بأي شكل. وتم مؤخرا عرض هذا الموقف المتشدد، الذي تشارك فيه جميع الأذرع الأمنية، أمام القيادة السياسية في المجلس الوزاري الأمني المصغر للحكومة وأمام رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، في جلسات ثنائية.
وبعدما اجتمع رؤساء روسيا وإيران وتركيا، في أنقرة الأسبوع الماضي، لمناقشة الوضع في سوريا، قرر الجنرالات الإسرائيليون تسريب موقفهم هذا، علما بأنهم كانوا قد اعترضوا على قصف إيران في سنة ٢٠١٠. وقد أثارت قمة أنقرة قلقا كبيرا في إسرائيل، وساد الانطباع بأن روسيا تساند إيران الآن، في مساعيها لترسيخ وجودها العسكري في سوريا، حتى وإن كلف ذلك ازدياد الاحتكاك مع إسرائيل.
في البدء كان الرهان الإسرائيلي معقودا على موسكو وواشنطن، الأولى كي تلعب دور الكابح، والثانية كي تنتقل إلى دور المهاجم الموازي للدور الروسي في الساحة السورية. لكن توالي التطورات السياسية والميدانية، أدى في حينه إلى استنفاد هذه الرهانات ووضع صانع القرار الإسرائيلي من جديد أمام مروحة خيارات بديلة، حول ما ينبغي القيام به لمواجهة مفاعيل انتصار محور المقاومة في الساحة السورية. ويعلن قادة عسكريون إسرائيليون بصراحة أن «الوضع النهائي المرغوب فيه هو انسحاب جميع القوات الإيرانية الشيعية من سوريا، بما في ذلك حزب الله والميليشيات». ووفقا لتقديرات الجيش الإسرائيلي، فإن نحو ٢٠٠٠ من المستشارين والمقاتلين الإيرانيين يتمركزون في سوريا، ونحو 7.500 مقاتل من حزب لله ونحو ٩ آلاف من أفراد الميليشيات من العراق وأفغانستان وباكستان.
أما إيران التي تتحسس الضغوط الإسرائيلية للابتعاد عن المثلث السوري اللبناني الإسرائيلي والانتقال الى منطقة الحدود العراقية السورية، فإنها تدرس خياراتها بدقة وعناية لأن الحرب هذه المرة مختلفة عن كل الحروب التي خاضتها أو دعمتها في سوريا منذ ٨ أعوام، ولأن هناك عدم تكافؤ في السلاح الجوي. فإذا كانت إيران تستند الى وجود بري قوي، فإنها تفتقر بشدة الى القوة الجوية المؤثرة وتحتكم الى «الحماية» الروسية.
إيران توعدت إسرائيل بالرد على هجومها ضد مطار «تي فور» السوري... كما توعدت الولايات المتحدة »بطردها» من الأراضي السورية، أي بشن عمليات ضد قواتها على غرار ما جرى في العراق، وقبل ذلك بكثير في بيروت (أيام المارينز)، ولكن إيران تحتفظ لنفسها باختيار التوقيت والطريقة المناسبة للرد الذي يطبخ على نار هادئة حتى لا يأتي انفعاليا ومتسرعا.
إيران تعتبر وتدرك أن الأميركيين هم الذين يقفون وراء الهجوم الإسرائيلي، ولكنهم، رغم ارتفاع صوتهم وتهديداتهم، ما زالوا يتخبطون في سوريا وليست لديهم استراتيجية واضحة. والجنرالات والمستشارون العسكريون الذين يشجعون ترامب الآن على توجيه ضربات وهجمات في سوريا، كانوا قبل أسبوع يجهدون لفرملة «اندفاعته الى الوراء» وعدم طرح فكرة الانسحاب من سوريا في الوقت الحاضر.