أدلى الناخبون الكولومبيون بأصواتهم أمس، في دورة ثانية من انتخابات الرئاسة التي تشهد منافسة غير مسبوقة بين اليمين واليسار وستكون حاسمة للسلام لأنها ستحدد الرئيس الذي سيخلف خوان مانويل سانتوس مهندس الاتفاق التاريخي مع حركة التمرد السابقة القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك».
وقال سانتوس الذي سيتنحى في أغسطس المقبل فيما كان يدلي بصوته في وقت مبكر أمس: «هذه انتخابات تاريخية».
وأضاف: «دعونا نكمل بناء بلد سلام، بلد ديموقراطية، بلد نعتز به جميعا ونساهم فيه جميعا».
وترجح استطلاعات الرأي فوز اليميني المتشدد ايفان دوكي (41 عاما) الذي يعد بتعديل النص الموقع في نهاية 2016 ويعتبره متساهلا جدا مع قادة التمرد السابقين.
وفيما كان يدلي بصوته محاطا بأطفال، قال دوكي إنه يود أن يتأكد أن كل من ارتكب جريمة «سيدفع ثمنها».
ويتنافس دوكي الذي قد يصبح اصغر رئيس كولومبي منذ 1872، مع غوستافو بترو (58 عاما) اول مرشح يساري يحقق تقدما بهذا الحجم في انتخابات رئاسية.
ومنذ توقيع الاتفاق، قام سبعة آلاف متمرد بتسليم أسلحتهم.
وابرم الاتفاق بعد 52 عاما من المواجهات مع القوات الثورية المسلحة الكولومبية التي تحولت الى حزب سياسي.
لكن كولومبيا تواجه صعوبة في الخروج من النزاع اذ انها ما زالت تعاني من الفساد والتفاوت الاجتماعي الواضح خصوصا في مجالي التعليم والصحة، الى جانب عنف مجموعات مسلحة تتنازع تهريب المخدرات في اول بلد منتج للكوكايين في العالم.
ويحكم اليمين كولومبيا بلا انقطاع. وقد نال مرشحه الشاب ايفان دوكي الجديد في عالم السياسة، بـ39.14% من الأصوات في الدورة الأولى في 27 مايو، مقابل 25.08% من الأصوات لغوستافو بترو رئيس بلدية بوغوتا سابقا والمتمرد السابق في حركة 19 ابريل (ام-19) التي تم حلها.
وسجلت مشاركة غير مسبوقة في الاقتراع بلغت 53.9%، بينما يصوت عادة اقل من نصف الناخبين البالغ عددهم 36 مليونا.
وقال القائد الأعلى لـ«فارك» رودريغو لوندونو المعروف باسمه الحركي «تيموشنكو»: «سواء فاز هذا المرشح او ذاك، لا يمكن ان نلقي سلاحنا».
وينفي المحامي والخبير الاقتصادي ايفان دوكي مساعد الرئيس السابق الفارو اوريبي المعارض الشرس لاتفاق السلام، ان يكون «دمية» يحركها الرئيس السابق.
وهي المرة الأولى التي يصل فيها اليسار، الذي لحقت به أضرار نتيجة وجود المتمردين السابقين فضلا عن الانقسامات في صفوفه، الى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا.
ويدافع دوكي الذي يلقى دعم المحافظين والأحزاب المسيحية والإنجيليين واليمين القومي، عن حرية الشركات والقيم التقليدية للعائلة ويشير باستمرار الى فنزويلا المجاورة المفلسة.
الا انه يريد مراجعة اتفاق السلام ليرسل قادة «فارك» السابقين الذين ارتكبوا جرائم خطيرة الى السجن، ويقطع الطرق امام دخولهم الى البرلمان. كما يأمل في القضاء على «سرطان الفساد» وانعاش رابع اقتصاد في اميركا اللاتينية الذي يعاني من انكماش وسجل نموا نسبته 1.4%.
وقال الخبير السياسي في جامعة خافيريانا فابيان اكونيا ان «خطاب الحملة للفوز شيء وممارسة الحكم شيء آخر»، مؤكدا ان «العودة الى الوراء ستكون مكلفة جدا».
اما بترو احدى شخصيات اليسار المعارض للمؤسسات، فيعد بتطبيق مبادئه وبإطلاق اصلاحات تخدم مصالح الفقراء. لكنه يدفع ثمن قربه من الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز مع انه لا يثير اعجاب الرئيس الحالي نيكولاس مادورو.
اما الخلاف الآخر بين المرشحين فيتعلق ايضا بالحوار مع جيش التحرير الوطني آخر حركة تمرد في البلاد. يريدو بترو مواصلة هذا الحوار بينما ينوي دوكي تشديد موقف الحكومة.
وقال بابلو بيلتران كبير المفوضين باسم حركة التمرد التي اعلنت وقفا لإطلاق النار بمناسبة الانتخابات: «نأمل ان تستمر جهود السلام ايا كان الفائز وان يتم احترام الاتفاقات المبرمة».
جدير بالذكر انه وقبل الانتخابات، اوقف المرشحان المتنافسان اطلاق التصريحات في محاولة لعقد تحالفات. ويمكن ان يكون لأصوات ناخبي الوسط الذي حصل احد مرشحيه سيرجيو فاخاردو على 23، 7% في الدورة الأولى، تأثير. وكذلك للبطاقات البيضاء.
وقال الخبير السياسي نيكولاس لييندو من جامعة سيرجيو اربوليدا لفرانس برس: «اذا فاز ايفان دوكي، فستكون لديه غالبية مهمة للموافقة على مبادراته» في البرلمان حيث فرض اليمين نفسه منذ الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس الماضي.
اما حركة التمرد السابقة «فارك» فقد منيت بهزيمة ساحقة في الانتخابات اذ انها لم تحصل على 0.5% من الأصوات اللازمة لتتمكن من شغل المقاعد التي خصصت لها بموجب الاتفاق.
وسيكون طي صفحة حرب اهلية بلغ عدد ضحاياها ثمانية ملايين شخص على الأقل بين قتلى ومفقودين ومهجرين، المهمة الرئيسية للرئيس المقبل الذي سيتولى مهامه يوم عيد الاستقلال في السابع من أغسطس المقبل.