أعلنت فجر امس النتائج شبه النهائية للانتخابات الرئاسية في البرازيل مؤكدة فوز اليميني المتشدد جايير بولسونارو بـ 56% من الأصوات مقابل 44% لمنافسه اليساري فرناندو حداد (اللبناني الأصل) الذي اعتبر أن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتيار «البريكست» وصعود اليمين في أوروبا هي وجوه للنازية الجديدة، وأن صعود بولسونارو هو وجه جديد للفاشية.
مؤكدة وفي خطاب النصر الذي ألقاه بعد إعلان فوزه، تعهد بولسونارو بتغيير مصير البرازيل وقال: «لا يمكننا مغازلة الاشتراكية والشيوعية والشعبوية وتطرف اليسار»، متعهدا أن يحكم البلاد متبعا الكتاب المقدس والدستور.
عندما بدأت الحملة الانتخابية لرئاسة البرازيل الصيف الماضي لم يكن أحد يتوقع وصول المرشح اليميني المتطرف بولسونارو الى الجولة الثانية. وعندما تقدم في الجولة الأولى، اعتقد كثيرون أن البرازيليين سيحذون حذو الفرنسيين عندما تحولوا الى دعم جاك شيراك لقطع الطريق على جان ماري لوبان عندما انحصرت الجولة الثانية بينهما. ولكن لم يحصل ذلك.
بولسونارو الذي يفتقر إلى قاعدة حزبية وبرلمانية، استعاد خطاب الحنين إلى الحكم العسكري الديكتاتوري الذي سبق أن استقطب تأييدا شعبيا ملحوظا في مطلع الستينات. وبنى مرشح اليمين المتطرف حملته الانتخابية على وعود أبرزها الحد من معدلات الجريمة المرتفعة في البلاد وعدم تورطه في الفساد.
ويرغب بولسونارو في الحد من الدين العام المتزايد عبر تطبيق إجراءات خصخصة واسعة النطاق والتقرب من الولايات المتحدة وإسرائيل، كما يتبنى مواقف قوية حيال الحد من ارتفاع معدلات الجريمة مع تعهده بحماية القيم الأسرية التقليدية. كان بولسونارو يعرف أيضا أن البرازيليين، الذين يقاسون أصعب أزمة اقتصادية في تاريخهم، ويعانون من أعلى معدلات العنف الاجتماعي في العالم، ناقمون بشدة على الطبقة الحاكمة التي فقدوا كل ثقتهم فيها. ومن ثم، فهم يريدون حلولا سريعة لمشاكلهم خارج الأطر التقليدية للبرامج السياسية.
قصة نجاح بولسونارو وصعوده السياسي السريع لاتختلف كثيرا عن قصة نجاح دونالد ترامب في الولايات المتحدة، والتيار الشعبوي المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو فوز حركة النجوم الخمس وماتيو سالفيني في إيطاليا، ونمو التيارات الراديكالية والعنصرية والمناوئة للهجرة والمهاجرين في أوروبا.
إنها باختصار، قصة العزف على وتر الغرائز والمشاعر القوية، كالخوف والحقد، التي تحرك الجماهير وتجذبها أكثر من أي برنامج أو مشروع سياسي. قصة السخط غير المسبوق على الطبقة الحاكمة التي ـ في أوروبا مثلا ـ يكاد يكون هناك إجماع حول مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور مستوى حياة شرائح واسعة في المجتمع، أو في أميركا اللاتينية حيث توجه إليها أصابع الاتهام بإفساد المؤسسات واستغلالها لمصلحتها الخاصة.
يكفي لهذه الأوساط الواسعة أن تسمع خطابا صريحا ومباشرا يدعو إلى محاربة هذه الطبقة ومحاسبتها، حتى تتهافت على تأييده غير مكترثة بما إذا كان هذا الخطاب الشعبوي متطرفا أو متحاملا أو مؤيدا للديكتاتورية.
ثم إن الأساليب والأدوات التي سخرها بولسونارو لحملته أيضا متشابهة مع تلك التي استخدمتها الأحزاب والحركات الشعبوية لتحقيق انتصاراتها غير المنتظرة. وهي تتجسد بانتقادات لاذعة متكررة وهجوم عنيف لايتوقف على وسائل الإعلام التقليدية، وبراعة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ومواظبة على استقطاب عناوين الأخبار أيا كانت المناسبة أو الوسيلة.
المسألة الثانية التي يجمع المراقبون والمحللون البرازيليون على أنها كانت حاسمة في صعوده السريع والمفاجئ، كانت الاقتراب من الكنيسة الإنجيلية المتنامية النفوذ في الأوساط الشعبية والفقيرة، والتي تملك شبكة تنظيمية واسعة وموارد مالية وإعلامية ضخمة.
البرازيل التي تعتبر خزان الكنيسة الكاثوليكية في العالم ـ إلى جانب المكسيك ـ تشهد انتشارا واسعا لنشاط الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية المتشددة منذ أواخر القرن الماضي، مدعوما بسخاء من نظيرتها الأميركية، الناشطة هي أيضا في كل أنحاء أميركا اللاتينية. واليوم يقارب عدد الأتباع البروتستانت في البرازيل ما يعادل ٢٨% من مجموع السكان بعد أن كانت هذه النسبة دون الـ ١٠% في العقد الأخير من القرن العشرين.