حددت مصادر ديبلوماسية واسعة الاطلاع ثلاثة عناوين بارزة وأساسية للقاء الذي سينعقد اليوم بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وھي:
١-الانسحاب الأميركي من سورية: فھذا اللقاء ھو الأول بين الرجلين بعد القرار الأميركي بالانسحاب من سورية الذي أطلق سباقا وتنافسا كبيرا على ملء الفراغ الأميركي في شرق الفرات بين اللاعبين على الساحة السورية، والذي أعاد إلى طاولة المفاوضات مشروعا تركيا عمره أربع سنوات لإقامة منطقة آمنة في الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، وأطلق أيضا مفاوضات أميركية- تركية من جھة وروسية- تركية من جھة ثانية، وبين الأكراد ودمشق وموسكو من جھة ثالثة، للوصول الى ترتيبات عسكرية وادارية شمال شرقي سورية.
وفي حين تبدو روسيا مطمئنة لقرار الانسحاب الأميركي ومتأھبة لقطف ثماره، وتعد نفسھا المستفيدة منه لأنه يكرس توجھا أميركيا إلى تلزيم سورية لروسيا لتولي عملية إدارة النفوذ والمصالح... فإن تركيا تنظر بحذر وريبة إلى ھذا الانسحاب الذي يلقى معارضة في الدولة العميقة الأميركية.
وتنتظر تركيا أجوبة أميركية على أسئلة ملحة تطرحھا وتتعلق بالجدول الزمني لـ «خريطة طريق منبج» وآلية العمل المفترضة لإنشاء المنطقة الآمنة.
ولا تبدي أنقرة ارتياحا تجاه التزام واشنطن إنجاز التفاھمات الثنائية حول مرحلة وترتيبات ما بعد الانسحاب الأميركي، كما أنھا تبدي حذرا شديدا حيال المطالبة الأميركية لتركيا بضمانات تركية لحماية القوات الكردية التي تحارب تنظيم «داعش» في اطار التحالف الدولي.
٢-الوضع في منطقة إدلب الذي تعطيه موسكو أولوية وتبدي حياله قلقا شديدا، بسبب سيطرة «جبھة النصرة» على المنطقة المنزوعة السلاح خلافا للاتفاقيات الخاصة بإنشاء تلك المنطقة، وحيث قامت «النصرة» بمھاجمة مواقع ومناطق الجيش السوري وباتت تشكل تھديدا لقاعدة حميميم العسكرية الروسية.
الوضع في ادلب يتصدر قمة بوتين أردوغان بعد أربعة أشھر على اتفاق سوتشي الذي خرقته «ھيئة تحرير الشام» («النصرة») باقدامھا على توسيع مناطق سيطرتھا والاستيلاء على نقاط استراتيجية من دون أن تحرك تركيا ساكنا.
وترغب موسكو في التعجيل بإعادة فتح الطرق الدولية بين حلب وكل من حماه واللاذقية، وھو ما نص عليه اتفاق سوتشي قبل نھاية العام الماضي ولكنه تأجل، وحيث إن تركيا تطلب مھلة إضافية وأن تمنح أجھزة الأمن الاستخبارات التركية والروسية مزيدا من الوقت، وھي لا تمانع في شن عملية محدودة مشتركة مع الروس لاستئصال عناصر وتنظيمات متطرفة أو «لغربلة» المقاتلين واخراج الأجانب من «ھيئة تحرير الشام» وتسييرھا نحو الاعتدال بعد ازالة أسباب تصنيفھا.
ولكن مقابل إصرار موسكو على تنفيذ اتفاق سوتشي بشأن إدلب وحرصھا على استمرار مسار أستانة مع تركيا وايران لبحث قضايا الحل السياسي، تجھد تركيا لإقناع القيادة الروسية برؤيتھا حول المنطقة الآمنة وتأجيل أي معركة واسعة في ادلب.
٣-المنطقة الآمنة أو العازلة التي يطمح أردوغان الى اقامتھا شمال شرقي سورية على غرار المنطقة منزوعة السلاح في محافظة ادلب، والتي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اقترح اقامتھا، وسارع أردوغان الى تلقف ھذا العرض معلنا أن قواته ستتولى إقامة ھذه المنطقة بين الحدود التركية ومواقع «وحدات حماية الشعب» الكردية التي تدعمھا واشنطن، ولكن موسكو سارعت بالمقابل الى رفض ھذا الاقتراح وأعلن وزير خارجيتھا سيرغي لاڤروڤ، أن الحل الوحيد والأمثل ھو نقل ھذه المناطق الى سيطرة الحكومة السورية... الخطة التركية تقضي بأن يمتد عمق الشريط الأمني الى ٣٢ كلم، بطول ٤٦٠ كلم من جرابلس الى كردستان العراق (طول الحدود السورية- التركية يبلغ ٩٠٠ كلم)، وتريد أنقرة أن يمتلك جيشھا الحق بالدخول حتى عمق ٣٢ كيلو مترا (واشنطن وافقت مبدئيا على ١٠ كيلومترات)، أي أكثر مما سمح به «اتفاق أضنة» عام ١٩٩٨ بين دمشق وأنقرة. كما تريد تركيا حماية المنطقة وأن تكون آمنة، أي تتضمن حظرا جويا وترفض أي وجود للجيش السوري لأنه سيتعاون مع الأكراد وستتكرر ھجمات حزب العمال الكردستاني ضد جنوب شرق تركيا. أما الخطة الروسية، فتقضي بانتشار الجيش السوري على الحدود ضمن مبدأ السيادة السورية، وأن يحل محل الجيش الأميركي المنسحب.
وتأخذ موسكو في الاعتبار موقف القيادة السورية الحذر جدا تجاه تركيا، وحيث إن دمشق تتحدث عن مطامع تركية، مؤكدة في منطقة الشمال السوري وتلعب دورا سيئا لمنع عودة السيادة السورية اليھا.
وكل ذلك تحت عناوين كاذبة حول ما سمته مكافحة الإرھاب، في إشارة إلى الفصائل الكردية، بينما في الواقع ھي ما زالت داعمة للتنظيمات الإرھابية من «داعش» إلى «النصرة»، وما قامت به «النصرة» قبل أيام من إخراج المجموعات المسلحة، بما في ذلك المدعومة من تركيا، من مناطق في ادلب وريف حلب الغربي ما كان ليحصل لو لم يغض النظام التركي النظر، وقبل ذلك أظھر أردوغان تلكؤا في تنفيذ ما تعھد به حول إقامة منطقة خفض التوتر وإخراج «النصرة» من ادلب.
وترى دمشق أن أردوغان يريد تصفية التنظيمات العسكرية الكردية بعد تخلي الأميركيين عنھا مقابل حصولھم على أثمان منه.
كما يريد أردوغان أن يضمن موطئ قدم له في الحل السياسي اللاحق في سورية والحصول على امتيازات في اعادة اعمار سورية.
الخطة الروسية لا تنسجم مع الخطة الأميركية لأن موسكو تدفع في اتجاه اغلاق ملف ادلب أولا، وفي اتجاه عودة دمشق الى الحدود مع تركيا، وفي اتجاه قيام حوار بين دمشق والأكراد الذين قدموا الى موسكو خريطة طريق تتضمن مطالبتھم بـ «اعتراف دمشق بالادارة الذاتية» شمال شرقي البلاد ودستور جديد يضمن المشاركة في الثروات الطبيعية والغاء الاجراءات التمييزية مقابل اعترافھم بـ «الرئيس المنتخب بشار الأسد» ومركزية الدولة وحدودھا وعلمھا وجيشھا.