كان الرئيس المكلف سعد الحريري واضحا في اضفاء طابع الحسم على الفترة المتبقية من هذا الشهر وفي «الايحاء الحازم» بأنه على أهبة اتخاذ قراره الحاسم في خلال اسبوع، لم يقل انه سيحسم وسينهي عملية تشكيل الحكومة، ولم يعد بولادتها، ولم يلتزم بمهلة كما فعل سابقا، ولكنه اكتفى بالقول انه سيحسم قراره ليفتح باب التأويلات والتفسيرات بشأن ماهية هذا القرار الحاسم وطبيعته، والتي تأرجحت بين ثلاثة آراء وتفسيرات:
1 ـ الحريري قرر حسم ملف الحكومة ووضع حدا لحال المراوحة والتعثر التي تدور فيها عملية التأليف منذ 9 أشهر، واندفاعته الجديدة لتحريك الملف الحكومي من جديد وبقوة والأجواء التفاؤلية التي أشاعها لا تأتي من فراغ، وإنما تستند الى رغبة عامة جامحة في ولادة الحكومة وقناعة بأن الوضع لم يعد يحتمل انتظارا، والى تطور وخرق حصل في جدار التأليف خلال اجتماع مهم جرى بينه وبين الوزير جبران باسيل الذي أظهر، وللمرة الأولى، مرونة بأن تخلى عن فكرة ربط وزير اللقاء التشاوري بتكتل لبنان القوي، وبالتالي التخلي عن الـ 11 وزيرا والثلث المعطل أو الضامن، وان جاء هذا «التنازل» مشروطا بأن يحصل على الحقائب التي يريدها، خصوصا وزارة البيئة التي هي من حصته في حكومة تصريف الأعمال ويريد الرئيس نبيه بري أن تؤول إليه، ولا يبقى في هذه الحال إلا تثبيت وتوسيع هذا الخرق عبر إعادة توزيع للحقائب، وحيث ان عملية البحث والتداول باتت محصورة في أربع منها: البيئة الصناعة الإعلام والمهجرين.
2 ـ الحريري يشيع ويبث أجواء تفاؤلية لا تعكس واقع أن المشكلة مازالت قائمة ولم يطرأ عليها تغيير أو خرق جذري. فالتغيير الذي حصل هو في الأجواء والنوايا التي باتت أكثر تفاؤلا وإيجابية، ولكن لم يحصل تغيير في جوهر المشكلة وفي أساس المواقف التي مازال الغموض يكتنفها: فلا باسيل قرر الاستسلام في معركة الثلث المعطل ووقف محاولاته الحثيثة، ولا اللقاء التشاوري قرر التساهل وقبول «جواد عدرا آخر»، ولا حزب الله قرر تجاوز مسألة تمثيل سُنة 8 آذار، ولا الاتفاق مع رئيس الجمهورية حصل على الوزير السني، شخصا وتموضعا، ولا الرئيس بري وافق على التخلي مجانا عن وزارة البيئة، ولا جنبلاط وافق على التخلي عن «الصناعة»، ولا القوات اللبنانية في وارد أن تقبل أي مسّ بحقائبها بعدما قدمت أقصى ما لديها وما يمكنها.
لم تُعرف الدوافع المباشرة الى «اندفاعة الحريري» باتجاه إدارة محركات التأليف أو باتجاه رفع درجة التفاؤل، وما إذا كانت مستندة الى معطيات تفيد بنضوج الظروف، وبأن «ساعة الولادة» حانت، وأن هامش الانتظار قد استنفد، وهذه هي اللحظة السياسية لاستعادة زمام المبادرة والتأليف واحتواء الانتقادات المتزايدة بشأن دوره وصلاحياته وما هو حاصل من جهته من إهمال وتهاون، أم أن الحريري قصد من كل هذه الحركة رفع المسؤولية عنه والذهاب الى خيارات وتوجهات جديدة يبررها فشل المحاولة الأخيرة للتأليف وتذليل العقبات، وأول هذه الخيارات وأكثرها ملاءمة للواقع هو تعويم حكومة تصريف الأعمال وتفعيلها، والانتقال الى السرايا الحكومي لإدارة الأعمال والملفات. وهذا الخيار يحد من الحاجة الى «تشريع الضرورة» ويضعه في أضيق إطار ممكن، كما أنه يستند الى تفهم وتشجيع خارجي كان أوضحه من الأميركيين وعبر عنه ديڤيد هيل في زيارته السياسية الأخيرة، ومن منطلق أن الاستمرار مع حكومة تصريف الأعمال الحالية و«المتوازنة» يبقى أفضل من تشكيل حكومة جديدة بشروط حزب لله وتعزز سيطرته.
3 ـ إذا كان المجتمع السياسي منقسما بين هذين التوقعين: حسم التأليف أو تفعيل التصريف، يبقى أن هناك توقعا متداولا ولكن على نطاق ضيّق ويمثل رأي أقلية في الوسط السياسي، وهو أن «الاعتذار» قد يصبح خيارا واردا عند الحريري إذا وجد أن الحكومة الجديدة ستكون باهظة الكلفة وأنها تتطلب تنازلات وأثمانا لا يقدر على دفعها وتحمل تبعاتها سياسيا وشعبيا. ويصل أصحاب هذا الرأي الى حد توقع أن الحريري قد يدفع الى الاعتذار بعد تعرضه في المرحلة المقبلة لضغط وتصعيد قوي تضع المشكلة عنده، والى حد القول ان السؤال المطروح لم يعد يتعلق بإمكانية خروج الحريري من رئاسة الحكومة، وإنما بتوقيت هذا الخروج وكيف سيحصل، وحتى الآن لم تنجح المحاولات القائمة على قاعدة «الإحراج للإخراج»، ولذلك فإن العمل جار على نار هادئة أو خفيفة لإخراجه بسلاسة بعد تهيئة الظروف ولتكليف شخصية أخرى بكل ما تحتاجه من غطاء سني وداخلي وعربي ودولي مسؤولية تشكيل الحكومة الجديدة، ومع التركيز على الغطاء العربي، وخصوصا من جانب السعودية التي صارت علاقاتها السنية اللبنانية متنوعة، ولم يعد الحريري ممرها أو جسرها الوحيد لعلاقاتها ودورها في لبنان، والتي مازال لديها تحفظات وانتقادات بشأن أدائه تحت سقف التسوية الرئاسية.
هذا التوقع ي قابل باستخفاف وازدراء من أوساط الحريري وأوساط كثيرة سياسية وديبلوماسية عربية:
٭ من جهة الحريري مستمر في الحكم ورئاسة الحكومة مادامت التسوية الرئاسية مستمرة في مفاعيلها، ومادام الرئيس عون باقيا في بعبدا، وهذه التسوية مازالت متماسكة وواقفة على أرض صلبة رغم كل الضغوط وتبدل الظروف والمعطيات بين الأمس القريب واليوم. لذلك، فإن الرئيس ميشال عون متمسك بشراكته مع الحريري ويريده أن يبقى رئيسا قويا للحكومة، كما أن حزب الله يكرر أنه مع استمرار الحريري ولا يجد من هو أفضل وأنسب منه لهذه المرحلة، ويكاد أن يقول إن مشكلته ليست مع الحريري، وان كان يقول ان مشكلة الحكومة هي عند الحريري.
٭ من جهة ثانية، لا تريد أي جهة عربية أو غربية أن يغادر الحريري الحكم، ولا يراد منه إلا أن يصمد ويظل في هذه الوضعية التي لا تنازل فيها ولا انسحاب «فلا يؤلف.. ولا يعتذر». وبما أن البقاء في الوضع الحالي بات صعبا نتيجة اشتداد الضغوط الاقتصادية والمالية في الدرجة الأولى، فإن تفعيل حكومة تصريف الأعمال يصبح الخيار الأكثر واقعية.