Note: English translation is not 100% accurate
بين أكثرية تجهد للحد من الخسائر.. ومعارضة تسعى لانتزاع المزيد من المكاسب
«التعيينات الأمنية» في لبنان: تغيير شامل أم «إبقاء القديم على قدمه» ؟
17 يناير 2010
المصدر : بيروت

مسألة التعيينات الادارية المطروحة بقوة في الكواليس وبخجل وحذر على طاولة مجلس الوزراء، تكتسب «أهمية سياسية» لثلاثة أسباب أساسية:
ـ هذه أول تعيينات شاملة في عهد الرئيس ميشال سليمان الذي تأخرت انطلاقته الفعلية سنة ونصف بسبب الانتخابات النيابية والحكومة الجديدة، وبالتالي فإن هذه التعيينات ترسي قواعد ودعائم الحكم للسنوات المقبلة وحتى نهاية العهد، وتعكس صورته ونهجه الاصلاحي أو التقليدي.
ـ هذه أول تعيينات في الحقبة السياسية الجديدة التي أعقبت الحقبة السابقة الممتدة بين أعوام 2005 و2009، وبالتالي فإنها تعكس المفاعيل والتوازنات السياسية الجديدة التي كرستها الحكومة الائتلافية الجديدة.
ـ «معركة التعيينات» هي امتداد لمعارك العام الماضي السياسية وتحديدا هي امتداد للمعركة الحكومية وتدور بين فريقين: فريق الأكثرية الساعي الى الاحتفاظ بمواقعه في اطار سياسة الحد من الخسائر، وفريق المعارضة الساعي الى تحسين مواقعه في اطار سياسة انتزاع المزيد من المكاسب، وحيث يتصرف هذا الفريق في هذه المعركة من خلفية ترجمة وتكريس ميزان القوى الجديد، واجراء تغييرات ادارية تتناسب مع التغيير السياسي الحاصل، مع ما يعنيه ذلك من سعي الى محو آثار المرحلة السابقة.
الاستقرار السياسي الذي ترسخ مع حكومة الائتلاف الوطني وتحت مظلة التفاهم السوري ـ السعودي، لا يعني ان الصراع السياسي توقف، انما يستمر بأشكال وطرق جديدة عنوانها الأبرز في هذه المرحلة «التعيينات الادارية» التي تعكس تنافسا شديدا بين القوى والزعماء على السلطة والنفوذ وقدرة التحكم بمفاصل أساسية في الدولة، والصراع الأشد حماوة وضراوة يدور حول المراكز الأمنية الأساسية التي أثبتت تجارب السنوات الماضية ان لها دورا وتأثيرا في رسم اطار المعادلة السياسية وتحديد «قواعد اللعبة».
ولعل أهم المتأثرين والمؤثرين في التعينات هي المؤسسة العسكرية والأمنية بمجمل اجنحتها وهي:
1 ـ في الجيش اللبناني: المجلس العسكري ومديرية المخابرات.
ثمة اتجاه (وقرار) واضح أن قائد الجيش العماد جان قهوجي خارج كل بحث ونقاش، أما المجلس العسكري المكون من ستة أعضاء يمثلون الطوائف الست (العماد قهوجي، اللواء شوقي المصري، اللواء ميشال منسى، اللواء حسن محسن، اللواء سعيد عيد واللواء نبيل قرعة) فإن ثلاثة من أعضائه يحالون على التقاعد هذه السنة (الثلاثة الاخيرون). أما مدير المخابرات فإنه يعين بقرار من وزير الدفاع، ولكنه جزء من تسوية سياسية على مجمل المراكز الأمنية.
2 ـ في قوى الأمن الداخلي: مجلس القيادة والمديرية العامة وفرع المعلومات.
مجلس القيادة مشكل من 11 عضوا من كبار الضباط رؤساء الوحدات المركزية وهم، اضافة الى المدير العام اللواء أشرف ريفي: العمداء أنطوان شكور (قيادة الدرك)، جوزف الحجل (رئاسة الأركان)، محمد قاسم (الادارة المركزية)، عدنان اللقيس (جهاز أمن السفارات)، أنور يحيى (الشرطة القضائية)، سيمون حداد (المفتشية العامة)، نبيل مرعي (شرطة بيروت)، انطوان جبور (القوى السيارة)، سمير قهوجي (الخدمات الاجتماعية) وعبدالبديع السوسي (معهد قوى الأمن الداخلي). ومنذ فترة قصيرة خرج قهوجي، وخلال هذا العام يخرج أربعة هم: مرعي ويحيى وحداد والسوسي. وكان مجلس قيادة قوى الأمن شهد خلافات انعكست على ظروف عمل المجلس وتسببت في أجواء تنافر وعدم انسجام داخلية وظل الوضع على حاله من «مساكنة قسرية» بانتظار تعيينات أمنية شاملة بعدما أخفقت محاولة اجراء تغييرات جزئية في قوى الأمن.
لكن الأنظار تتجه في قوى الأمن الى المدير العام اللواء ريفي الذي لعب دورا بارزا واكتسب رمزية معينة في السنوات الأربع الماضية، والى رئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن الذي اكتسب «فرعه» شهرة واسعة ودورا واسعا في وقت مازال يدور حول وضعه وصلاحياته «اشكالية قانونية» طالما لم تصدر مراسيم تنظيمية في شأن شعبة المعلومات التي برزت في السنوات الماضية جزءا من الصراع السياسي بين طرفي الحكومة الحالية.
3 ـ مديرية الأمن العام.
وهذا المركز الأمني «محسوب» تاريخيا على رئيس الجمهورية وكان يتولاه ماروني الى ان حصل تغيير في هويته الطائفية بإسناده بداية عهد الرئيس لحود الى اللواء جميل السيد ومن بعده الى اللواء وفيق جزيني، ويبرز في الأمن العام «مكتب المعلومات» الذي تستمر في رئاسته العميد جومانا دانيال بعدما تمت ترقيتها استثنائيا قبل أيام بما يتيح لها الاستمرار في هذا الموقع عاما اضافيا.
4 ـ مديرية أمن الدولة التي يتولاها العميد إلياس كعيكاتي وهو سيحال على التقاعد هذا العام.
5 ـ المديرية العامة للجمارك الملحقة بوزارة المالية اداريا والتي تنطوي وظيفتها على أبعاد أمنية (مسائل التهريب) .
ونظرا لأهميتها باتت الأجهزة الأمنية جزء من النظام الطائفي في لبنان وموزعة طائفيا: مديرية المخابرات للموارنة، الأمن الداخلي للسنة، الأمن العام للشيعة، وهكذا، ومن الممكن ايجاد البدائل واجراء تعيينات جديدة وسريعة لو كان الأمر يتوقف على العامل الطائفي فقط.
لكن ثمة تداخل في الاعتبارات الطائفية والسياسية، وثمة توازن دقيق تقوم عليه الأجهزة الأمنية وترابط فيما بينها، بحيث يبدو ان المس بالوضع القائم ليس سهلا، وان الخيار يصبح بين تغيير شامل أو ابقاء القديم على قدمه حتى اشعار آخر، والى حين نضوج واستتباب المعادلة السياسية الجديدة.
في تفنيد وتشريح المشكلة الكامنة في التعيينات الأمنية والعقد الخفية فيها، يمكن رسم الصورة التالية:
ـ ثمة رغبة لدى المعارضة في احداث تغييرات في قوى الأمن الداخلي وتطول اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام حسن، ومن خلفية ابعاد رموز أساسيين للمرحلة السابقة والحد من الدور الأمني الاستخباري المضخم لقوى الأمن وإعادته الى حجمه ووضعه الطبيعيين. لكن هذا التوجه يصطدم برفض الرئيس سعد الحريري المدرك لأهمية هذه المؤسسة الأمنية في تثبيت دعائم حكمه ولأهمية ان يكون في يده «ورقة أمنية» بين الأوراق السياسية والشعبية والاقتصادية التي يملكها، وتضاف الى ذلك اعتبارات التوازن الطائفي السياسي التي تجعل قوى الأمن، وخصوصا فرع المعلومات، يصنف جهازا أمنيا سنيا بموازاة أجهزة أخرى محسوبة على طوائف أخرى، وأي تغيير يطوله يجب ان يوازيه تغيير مقابل.
ـ ثمة رغبة لدى الرئيس ميشال سليمان مدعوما من مرجعيات دينية وسياسية في عودة مديرية الأمن العام الى الطائفة المارونية، خصوصا ان هذا المركز عرف بارتباطه تاريخيا وسياسيا ومعنويا برئاسة الجمهورية الى ان حدث تغيير في عهد الرئيس اميل لحود بإسناد المدير العام للأمن العام الى ضابط شيعي، وجرى التعاطي مع التغيير على انه مؤقت لكنه يتحول الى «دائم». ومن الواضح ان هذه الرغبة تصطدم بموقف شيعي متوافق عليه بين الرئيس نبيه بري وحزب الله، ويلخص في ثلاث نقاط:
ـ لا مانع من تطبيق مبدأ المداورة في رئاسات الأجهزة الأمنية.
ـ رفض العودة الى رئاسة جهاز أمن الدولة للطائفة الشيعية كبديل عن مديرية الأمن العام.
ـ الاستعداد لاجراء مبادلة بين مركزي الأمن العام ومخابرات الجيش، بمعنى ان تولي ماروني لمديرية الأمن العام يجب ان يقابله اسناد مديرية المخابرات الى ضابط شيعي.
ـ التبديل في مديرية مخابرات الجيش يتوقف أولا على التبديلات التي ستطول المؤسسات الأمنية الأخرى، وثانيا على امكانية الاستعانة بضباط من الجيش، خصوصا من المخابرات، لأي من المناصب الأمنية الأخرى، خصوصا مديرية الأمن العام.
ـ التغيير في مديرية الأمن العام لايزال خارج البحث حتى اشعار آخر في انتظار ثلاثة أمور: البت في الهوية الطائفية لهذا المركز، وبت وضع اللواء أشرف ريفي، والاتفاق على اسم المدير العام الجديد للأمن العام، وهذا الاتفاق يبدأ عند قيادات الطائفة الشيعية وينتهي عند الرئيس ميشال سليمان.
ـ التعيينات في المجلس العسكري تقتصر على ملء الشواغر التي ستطرأ هذا العام، بقرار من وزير الدفاع وبناء على توافق سياسي مسبق.
ـ التغيير في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي يتراوح بين تغيير شامل لكل قادة الوحدات العشر، أو تغيير جزئي للضباط المحالين على التقاعد هذا العام وهم خمسة، اضافة الى تغيير في قيادة الدرك.
ـ التغيير في مديرية جهاز أمن الدولة حاصل، وكذلك في مديرية الجمارك.