الصورة التي تروّج للحكومة اللبنانية الجديدة في الولايات المتحدة ودول أخرى بأنها «حكومة حزب الله»، ليس فقط بمعنى أنها واقعة تحت سيطرة ونفوذ حزب الله الذي يمتلك فائض القوة، وإنما أيضا بمعنى أنه يمتلك أكثرية الأصوات في هذه الحكومة، وهذه الأكثرية عند البعض هي أكثرية النصف زائد واحد وعند آخرين أكثرية الثلثين، والاحتساب جار هنا على أساس أن كتلة حزب الله مع حلفائه المباشرين («حركة أمل» و«تيار المردة» و«اللقاء التشاوري») وكتلة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، تصنف في الخانة السياسية ذاتها، ويمكن أيضا إضافة وزيري جنبلاط الذي، ومنذ العام 2009، يتماشى مع حزب الله ونبيه بري في المسائل الأساسية، ما يجعل أن حزب الله يمسك بشكل أو بآخر أكثرية الثلثين في الحكومة، ولا يقع خارج هذه «الأكثرية» إلا 10 وزراء موزعين بين «تيار المستقبل» (5) والقوات اللبنانية (4) والرئيس نجيب ميقاتي (1).
هذا التصنيف أو الفرز يمكن أن يعتبر صحيحا في حالة التصويت الإستراتيجي على ملفات وقضايا كبرى ذات أبعاد أو خلفيات إقليمية، ولكنه لا يعبر عن واقع الحال السياسي، حيث يدور صراع داخلي على السلطة والمال والقرار، وتتضارب المصالح في مكان وتتلاقى في مكان آخر، وتقوم تحالفات موسمية وظرفية إلى جانب تحالفات ثابتة، وبالإمكان الحديث عن أشكال وأنواع من التحالفات والمحاور داخل الحكومة الجديدة، وسط متغيرات أدخلتها التسوية الرئاسية، الثابت الوحيد فيها أن الانقسام السياسي العامودي على أساس 8 و14 آذار لم يعد قائما:
٭ التصور الأول: المعطى الجديد الذي دخل إلى المعادلة الحكومية منذ العام 2016 هو تحالف سعد الحريري ـ جبران باسيل الذي يبدو أنه ترسّخ وتعمّق وتعزز بتفاهمات جديدة أبرمت في باريس أخيرا. وبالتالي هناك من إمكانية لأن يدور التجاذب بشكل أساسي بين محور الحريري ـ باسيل من جهة، والمحور المناهض له والمتضرر منه، والذي يضم قوى أساسية وأسماء كبيرة ولكنها في تعداد الأصوات لا تتجاوز مجتمعة عتبة الـ 10 أصوات (محور بري ـ جنبلاط ـ جعجع ـ فرنجية). أما حزب الله، فإنه يتولى إدارة اللعبة بما فيها من توازنات وتناقضات من ضمن هذه الخارطة الجديدة وبالتنسيق مع الرئيس ميشال عون.
٭ التصور الثاني: رغم وجود تفاهمات بين الحريري وباسيل، فإن الصراع في العمق والأساس يظل صراعا سنيا ـ شيعيا، وتحديدا بين «المستقبل» ومن معه من جهة، وحزب الله وحلفائه من جهة ثانية، وتلعب كتلة رئيس الجمهورية و«لبنان القوي» دور عامل التوازن والقوة المرجحة بين الطرفين، وبالتالي يكون الرئيس عون (ومعاونه الوزير جبران باسيل) هو من يقوم بالدور الأساسي في إدارة الوضع الحكومي ودفة الحكم.
٭ التصور الثالث: أن يحدث تحول ملموس في الميزان الإقليمي العام وأوضاع المنطقة التي لم تستقر على حال وما زالت مفتوحة على صراعات ومفاجآت، فيكون لبنان متأثرا بهذه التحولات ويتقدم الانقسام السياسي مجددا على «لعبة السلطة»، ويكون شيء من ملامح العودة الى حقبة 8 و14 آذار. وفي هذه الحال، يبرز محور ثلاثي: الحريري ـ جعجع ـ جنبلاط بخلفية إقليمية، وهذا إذا حصل من شأنه أن يهدد استقرار الحكومة ووجودها.
٭ التصور الرابع: أن تكون المعادلة الحكومية هي الترجمة العملية للتسوية الرئاسية التي أثبتت صمودها بعد «قطوعي» الانتخابات والحكومة، والتي مازال أطرافها الثلاثة متمسكين بها. وهذا يعني أن محور الثلاثة الكبار (عون ـ الحريري ـ حزب الله) هو الذي يتحكم بمسار الحكومة وقراراتها، وأن الثلاثة الآخرين (بري ـ جعجع ـ جنبلاط) في مقاعد الصف الثاني وفي موقع المتلقي مع هامش الاعتراض.
٭ التصور الخامس: وهو الأرجح، الذي يضم مزيجا وشيئا من كل تصور من التصورات الواردة، في مرحلة إقليمية دقيقة لا تحتمل انقسامات وخلافات سياسية، وفي وضع داخلي الاقتصاد أولوية فيه ومكافحة الفساد أبرز عناوينه، والصراع هو صراع مصالح وتقاسم سلطة ومكاسب، وبالتالي، فإن التحالفات متحركة والتعامل يكون «على القطعة»، والعلاقات والمواقف تتبدل تبعا لكل ملف وتتغير تبعا للحاجة والمصلحة.