أصبحت معاهدة نزع «الأسلحة النووية المتوسطة» في خبر كان، بعد أن أعلنت أميركا رسميا الانسحاب منها، ما يعزز المخاوف من اندلاع سباق جديد للتسلح يعيد أجواء «الحرب الباردة» التي انتهت عام 1991. ويعتقد خبراء أن انهيار المعاهدة قد يقوض اتفاقيات الحد من الأسلحة الأخرى، لاسيما اتفاقية «ستارت»، ويعجل بتآكل النظام العالمي الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية.
وبررت واشنطن خطوتها «بانتهاك» روسيا المستمر للمعاهدة التي وقعتها مع موسكو خلال الحرب الباردة عام 1987 بعد مفاوضات بين الرئيس الأميركي حينها رونالد ريغان والزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، للحد من الصواريخ التي يراوح مداها بين 500 و5500 كلم.
وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في بيان: «لن تبقى الولايات المتحدة جزءا من معاهدة تنتهكها روسيا عمدا»، فيما اتهم مسؤولون كبار بالإدارة الأميركية طلبوا عدم نشر أسمائهم، روسيا بنشر «وحدات متعددة» من صاروخ كروز «لها القدرة على ضرب أهداف أوروبية غاية في الأهمية» في انتهاك للمعاهدة.
وردت روسيا من جهتها باتهام واشنطن بارتكاب «خطأ فادح» وبخلق «أزمة مستعصية عمليا». واقترحت من جديد «تجميدا لنشر الصواريخ المتوسطة المدى»، الأمر الذي رفضه حلف الأطلسي «الناتو».
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: «ننفذ بالفعل وقفا أحاديا ولن ننشر صواريخ قصيرة أو متوسط المدى تطلق من البر في مناطق تنشر فيها الولايات المتحدة مثل هذه الصواريخ».
ولعل إعلان واشنطن الإسراع بنشر صواريخ جديدة في آسيا، يعد ترجمة عملية لمخاوف عودة الحرب الباردة، حيث تعهد وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، بالإسراع بعملية تطوير صواريخ أرض - جو جديدة بعد الخروج من المعاهدة.
وقال: «الآن وقد انسحبنا ستواصل وزارة الدفاع بقوة تطوير هذه الصواريخ أرض - جو التقليدية، في رد على تحركات روسيا».
وأكد عزم الولايات المتحدة الإسراع في نشر صواريخ جديدة في آسيا، خلال الأشهر المقبلة، لاحتواء توسع النفوذ الصيني في المنطقة.
من جهته، أكد حلف شمال الأطلسي «الناتو» أنه لا يريد العودة الى «سباق التسلح». واتهم أمينه العام ينس ستولتنبرغ روسيا بنشر «صواريخ منتهكة معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى. كيف يمكن الوثوق بحسن نواياها؟».
وأضاف: «سنعمل بشكل يضمن أن يكون ردعنا مؤكدا»، في مواجهة نشر المنظومة الجديدة للصواريخ الروسية «القادرة على نقل رؤوس نووية وضرب مدن أوروبية خلال بضع دقائق». وأعربت فرنسا عن «أسفها لعدم التوصل إلى أي حل للاحتفاظ» بالمعاهدة، معتبرة أن إنهاءها «يزيد مخاطر زعزعة الاستقرار في أوروبا ويضعف النظام العالمي للحد من التسلح».
ويتحدث بومبيو خصوصا عن الصواريخ الروسية «9 أم 729»، التي تمثل بحسب قوله «تهديدا مباشرا» للأميركيين وحلفائهم، فيما تؤكد روسيا أن المدى الأقصى لهذه الصواريخ هو 480 كيلومترا.
لكن في الوقت ذاته، أكد بومبيو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترغب في افتتاح «مرحلة جديدة من حظر الأسلحة»، تتجاوز الإطار الثنائي الروسي - الأميركي، وتضم أيضا الصين، وهو اقتراح لا يبدو أنه أثار اهتمام بكين حتى الآن.
وأعلن ترامب في تصريحات صحافية، أنه يود إبرام اتفاقية جديدة للأسلحة مع روسيا للحد مع جميع القوى النووية، وربما كذلك مع الصين. وقال: «أعتقد جازما بأن ذلك سيحدث».
من جهته، قال سفير الصين الجديد لدى الأمم المتحدة تشانغ جون إن الصين تأسف للانسحاب.
وأضاف: «الولايات المتحدة تقول إن الصين يجب أن تكون طرفا في معاهدة نزع الأسلحة هذه، لكنني أعتقد بأن الجميع يعرف أن الصين ليست على نفس مستوى الولايات المتحدة والاتحاد الروسي» فيما يتعلق بالأسلحة النووية.
وما يصب الزيت على نار التوتر بين القوتين العظميين، فرض الولايات المتحدة جولة عقوبات جديدة على روسيا، بدعوى قضية محاولة اغتيال عميل المخابرات الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا، باستخدام غازات محرمة في لندن.
وذكرت وكالة «بلومبيرغ» للأنباء أمس أن وزارة الخارجية الأميركية أوضحت أن العقوبات الإضافية سوف تحظر على البنوك الأميركية المشاركة في إصدار ديون سيادية روسية. وأن سريان العقوبات سيبدأ مع نشر إشعار في السجل الفيدرالي يوم 19 الجاري أو نحو ذلك، وأنه سيظل ساريا لمدة 12 شهرا على الأقل.