منذ أن وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض، حدد هدفا رئيسيا له في الشرق الأوسط (إضافة الى احتواء إيران) هو إيجاد حل سياسي شامل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وشرع في وضع خطة متدرجة عرفت لاحقا بـ «صفقة القرن» مهد لها بخطوات عملية هي أشبه بخدمات وهدايا لإسرائيل، وتمثلت بداية بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، وصولا الى مصادقته على ضم الجولان السوري المحتل وشرعنة الإدارة الإسرائيلية للمستوطنات.
وفي خضم انشغاله بالمواجهة مع إيران، أوفد ترامب مبعوثه الخاص الى الشرق الأوسط أفي بركوفيتش الى إسرائيل مطلع العام الحالي للبحث في إمكانية الإعلان عن تفاصيل الخطة الأميركية بعد تأجيل متكرر لها لعدة أسباب كان من أبرزها إعادة الانتخابات الإسرائيلية لمرة ثالثة.
وإثر ذلك، أخذ ترامب قراره باستدعاء نتنياهو وغانتس الى واشنطن عن طريق دعوة رسمية نقلها نائبه بنس لحضور حفل الإعلان عن الجانب السياسي من «صفقة القرن»، بعدما كان الإعلان عن الجانب الاقتصادي منها تم في «ورشة المنامة» منتصف العام الماضي.
ويريد ترامب من نتنياهو أن يوافق على الصفقة بكاملها، بحيث لا يمكنه أن يقبل جزءا ويرفض آخر، أو أن يكون موقفه على طريقة نعم ولكن، ويريد من السلطة الفلسطينية أن توافق عليها ولكن ليس الآن.
ترامب لا يعول على الرئيس محمود عباس وينتظر قدوم رئيس جديد للسلطة الفلسطينية، كما أنه ليس في خططه الآن ممارسة ضغوط على الفلسطينيين للعودة الى طاولة المفاوضات، وهو سيفعل ذلك في ولايته الثانية.
ولكن ما يريده ترامب فعلا من هذا الإعلان المفاجئ عن «صفقة القرن»، وفي هذا التوقيت السياسي «المشبوه» قبل أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، هو إنقاذ حليفه نتنياهو الذي يواجه متاعب داخلية وضغوط محاكمته القضائية في قضايا فساد، وتعويم وضعه وتحسين فرصه في الفوز.
والمفارقة هنا أن ترامب نفسه يواجه ضغوطا من هذا النوع أيضا، واللجوء الى «صفقة القرن» يساعده في التخفيف من هذه الضغوط وتحويل الأنظار عن محاكمته في الكونغرس.
من الواضح أن توقيت الإعلان عن «صفقة القرن» هو «توقيت انتخابي»، وأن هذه الخطوة تخدم نتنياهو وترامب في معركتهما الانتخابية، وتغطي على الضجة المثارة في الكونغرس حول إقالة ترامب، وفي الكنيست حول حصانة نتنياهو.
ولم يكن اختيار (٢٨ الجاري) لإعلان الصفقة بريئا وعفويا، وإنما حدد بشكل دقيق ليكون في اليوم الذي يبدأ فيه البحث في الكنيست حول طلب نتنياهو الحصول على حصانة برلمانية لتأجيل محاكمته.
وكذلك كانت دعوة منافس نتنياهو وزعيم المعارضة بيني غانتس الى واشنطن خطوة مدروسة ومتعمدة لإحراجه وتشتيت جهوده المركزة على محاكمة نتنياهو.
وما حصل أن غانتس وقع في الكمين الذي نصبه له بإحكام نتنياهو وترامب لأنه إذا وافق على الدعوة وذهب مع نتنياهو الى واشنطن، سيكون وجوده ثانويا وتابعا وسيخسر الكثير من الناخبين.
أما إذا رفض التوجه الى واشنطن، فسيكون موقفه موجها ضد ترامب وبمثابة صفعة لرئيس أميركي حليف لم تشهد إسرائيل مثيلا له.
مرة جديدة يرمي ترامب «طوق النجاة» الى نتنياهو، ويوجه له «دعوة فاخرة» وأفضل عرض سياسي لتحقيق السلام، ويتيح له الهروب من المحاكمة وأن يختبئ وراء مقولات شعبوية عن عملية سلام ومسؤوليات وطنية ومصالح استراتيجية، وأن يظهر خصمه غانتس عديم الخبرة السياسية يتصرف بطريقة صبيانية ويحاول شغله بقضايا تافهة يمكن تأجيلها، في وقت يتصرف هو كرجل عظيم ويجلب لإسرائيل الأمن والسلام وخطة مهمة وممتازة لمصلحتها.