وسط انتقادات دولية للتوقيت والجهة المستهدفة، حوَّل الرئيس الاميركي دونالد ترامب قضية تفشي وباء كورونا المستجد إلى أزمة سياسية عالمية ثلاثية الاطراف تضعه بمواجهة مع الصين ومنظمة الصحة العالمية، عقب اعلانه تجميد مساهمة بلاده في المنظمة، رغم استمرار عداد الاصابات بالارتفاع الصاروخي فوق حاجز المليونين و٣٠ ألف، وتجاوز الوفيات الـ ١٣٠ ألفا منهم نحو 2400 في الولايات المتحدة في اعلى حصيلة عالمية بيوم واحد. لتبقى أميركا في صدارة الدول الاكثر تضررا، حيث سجلت منفردة 609240 حالة اصابة منها 26033 وفاة.
واذ يــــرى خبــــراء أن ترامب يهرب الى الامام بهذا القرار، بعد تزايد الضغوط الداخلية عليه والاتهامات بالتقصير بمواجهة الوباء، رجحت دراسة أميركية أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى الاستمرار في تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي، بهدف احتواء تفشي فيروس كورونا، حتى عام 2022، ما قد يزيد في طين ترامب، الطامح لاعادة الانتخاب، بلة.
وقالت الدراسة، التي نشرتها كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد الأميركية، «ربما نكون في حاجة إلى الاستمرار في تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي حتى عام 2022، ما لم ترتفع قدرة البلاد على رعاية الحالات الحرجة بشكل رئيسي، أو يتم التوصل إلى علاج أو لقاح مضاد للفيروس».
وردا على القرار، قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في تغريدة على تويتر «لا وقت نضيعه. الشاغل الوحيد لمنظمة الصحة العالمية مساعدة كل الشعوب لإنقاذ الأرواح ووضع حد لتفشي فيروس كورونا المستجد».
وأعرب في مؤتمر صحافي لاحق عن «أسفه» للقرار، مؤكدا ان هذا التعليق سيكون مؤثرا.
وحسب ترامب تساهم بلاده في المنظمة بمستوى «400 إلى 500 مليون دولار سنويا» مقابل 40 مليونا للصين «أو حتى أقل»، واتهم المنظمة «بسوء الإدارة الشديد وإخفاء تفشي فيروس كورونا المستجد».
وأضاف «لو أن منظمة الصحة العالمية قامت بعملها بإرسال خبراء طبيين إلى الصين لتقييم الوضع على الأرض بشكل موضوعي وفضحت عدم شفافية الصين، لكان من الممكن احتواء تفشي المرض في مهده مع عدد قليل جدا من الوفيات».
تنديد بالقرار «الأناني»
وانتقدت كل من الأمم المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الافريقي القرار الأميركي، كما انتقده بيل غيتس أحد مؤسسي «مايكروسوفت» التي تعد أول مساهم خاص في موازنة منظمة الصحة ومقرها جنيف.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية أن باريس «تأسف» لقرار ترامب، موضحة أنها تأمل «عودة الأمور إلى طبيعتها» لتتمكن المنظمة من مواصلة عملها.
ونددت روسيا بما اعتبرته «مقاربة انانية جدا»، وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف لوكالة «تاس» ان «توجيه مثل هذه الضربة إلى منظمة الصحة على مرأى من المجتمع الدولي يعد خطوة تستحق التنديد والإدانة».
وانتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بشدة قرار ترامب، معتبرا أن «هذا ليس وقت خفض موارد» منظمة دولية كهذه منخرطة في المعركة ضد وباء «كوفيد ـ 19»
وفي بيانه الذي اتسم، على غير عادة، بنبرة حادة، اوضح انه بعد انتهاء الأزمة «سيكون هناك وقت» لفهم كيف نشأ المرض وتفشيه.
بدورها، أعربت الصين عن «قلقها الشديد» حيال القرار، وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان ان «هذا القرار سيضعف قدرات منظمة الصحة العالمية وسيقوّض التعاون الدولي ضد الوباء».
كما دانت ألمانيا القرار الأميركي، معتبرة أن «اللوم لا يفيد» حاليا. وكتب وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في تغريدة أن «أحد أفضل الاستثمارات هو تعزيز الأمم المتحدة وخصوصا منظمة الصحة العالمية التي ينقصها التمويل مثلا لتطوير وتوزيع معدات الفحص ولقاحات».
كذلك، أعرب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل عن «أسفه العميق» لتعليق المساهمة المالية الأميركية. وكتب على تويتر «ليس هناك أي سبب يبرر» هذا القرار في وقت تعتبر جهود منظمة الصحة العالمية «ضرورية أكثر من أي وقت مضى للمساعدة في احتواء وتخفيف (انتشار) الوباء العالمي».
إحصاءات غير مشجعة
بلغة الأرقام، ورغم اجراءات العزل التي تطول نصف البشرية تقريبا وتراجع الضغط عن المستشفيات في غالبية الدول الاوروبية، يواصل الوباء حصد الارواح والتسبب بتداعيات اقتصادية «كبرى» كما وصفها صندوق النقد الدولي.
فقد أحصيت ما لا يقل عن مليوني إصابة بينها نحو 130 الف وفاة. وتبقى قارة أوروبا الأكثر تضررا بالوباء، حيث تجاوز عدد المصابين المعلنين رسميا أكثر من نصف الإصابات في العالم، وسجلت مليونا و3284 إصابة بينها 84 ألفا و465 وفاة، بحسب احصاءات وكالة الانباء الفرنسية.
والدول الأربع التي سجل فيها عدد من الإصابات يتجاوز المائة ألف هي اسبانيا بأكثر من 172 ألف اصابة وما يزيد على 18 ألف وفاة، وإيطاليا بأكثر من 162 ألف إصابة و21067 وفاة، وفرنسا التي سجلت 143 الف إصابة وانضمت الى الدول التي تجاوز عدد الوفيات فيها الـ 15 الفا، ثم ألمانيا مسجلة 127 ألف إصابة و3254 وفاة.
ويبدو أن اليابان في طريقها الى الانضمام الى الدول الاكثر تضررا، حيث حثت مواطنيها على البقاء في منازلهم، بينما حذرت تقارير إعلامية من أن ما يصل إلى 400 ألف منهم قد يلقون حتفهم بسبب فيروس كورونا إذا لم تقم السلطات بتحرك عاجل، وفيما يواجه رئيس الوزراء شينزو آبي ضغوطا لتخصيص مزيد من المال للأزمة.
وسجلت اليابان، التي تجري فحوصا فقط لمن تظهر عليهم أعراض الإصابة بالفيروس، حتى الآن أكثر من ثمانية آلاف إصابة ونحو مائتي وفاة.
ونقلت تقارير بوسائل إعلام محلية عن توقعات غير معلنة لوزارة الصحة أن عدد الوفيات في البلاد جراء الإصابة بالفيروس قد يصل إلى 400 ألف حالة، كما ذكرت التقارير أن التقديرات تفيد بأن عدد الحالات التي قد تحتاج إلى تنفس صناعي قد يصل إلى 850 ألف حالة. وشهدت اليابان تسارعا في وتيرة انتشار العدوى في الأسابيع القليلة الماضية، خاصة في طوكيو. وردت الحكومة بإعلان حالة طوارئ في العاصمة وست مناطق أخرى بينها أوساكا، وإعلان هدف بالحد من التعامل الشخصي بين الناس بنحو 70%.
وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية أن العاصمة سجلت أكثر من 125 إصابة جديدة بالفيروس أمس.