نقطة القوة الأساسية في وضع حكومة حسان دياب أنه لا بديل عنها إلا الفوضى والفراغ.. فإذا سقطت في الشارع سيكون من الصعب تشكيل حكومة جديدة، وسيكون من الأصعب عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة.. ولأن الأمر كذلك، فإن حكومة دياب تحظى بدعم قوي من حزب الله وبتسهيلات من الرئيس ميشال عون.. يضاف الى ذلك نقطة قوة مكتسبة وحصلتها الحكومة بقواها وجهودها الذاتية عندما نجحت في «امتحان كورونا»، بسبب انتفاء التدخلات والتأثيرات السياسية في هذا الملف، ما أدى الى تمديد فترة السماح لها، والى تحسين الثقة الشعبية بأدائها وأهليتها.
ولكن رغم تمتع الحكومة بنقطة قوة واقعية وأخرى مكتسبة، فإن هذا ليس كافيا كي يشعر رئيسها حسان دياب بالاطمئنان وأنه في أمان على العكس من ذلك، يساور دياب شعور القلق وأنه يقف في منطقة الخطر نتيجة تضافر وتدافع عدة تطورات مريبة في خلفياتها مشبوهة في توقيتها وتزامنها.
أما مصادر وعوامل القلق والارتياب عند دياب، فيمكن تعدادها واختصارها في النقاط التالية:
1 ـ تحريك ورقة الشارع من جديد، وهذه المرة ليس تحت عنوان الفساد وتحميل الطبقة السياسية الفاسدة مسؤولية الأزمة، وإنما تحت عنوان «الغلاء والفقر والجوع» وتحميل الحكومة الحالية مسؤولية تفاقم الأزمة التي يجري دفعها الى انفجار اجتماعي بتشجيع من قوى سياسية معارضة و«بتواطؤ» من لوبي مصرفي مالي، يلعب لعبة الدولار والتدهور الدراماتيكي في سعر صرف الليرة، ما سيؤدي الى تآكل الرواتب والقدرة الشرائية واتساع نطاق الفقر والعوز، وتأجيج حالة الغضب ونزولها الى الشارع.. ولم تكن الإشارة التي مررها دياب باتجاه مصرف لبنان وتعاميمه إشارة عرضية، وإنما عبرت عن شكوك لديه في طريقة إدارة حاكم مصرف لبنان للملف النقدي المصرفي المالي بطريقة لا تخدم خطة الحكومة الإصلاحية وإنما خطة الإطاحة بالحكومة.
2 ـ انتقال تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري من سياسة مهادنة مع الحكومة الى سياسة الهجوم المتنوع الأشكال والمتضمن اتهامات سياسية خطيرة مثل التبعية لحزب الله والانصياع للرئيس ميشال عون والتفريط بدور وصلاحيات رئاسة الحكومة وتوازنات الطائف، والانخراط في خطة الحزب لتغيير وجه لبنان الاقتصادي ونظامه الحر، ولعل أكثر ما يقلق دياب في هذا المجال، خطة الحريري لتطويقه ومحاصرته في الطائفة السنية، فكان أن انخرط الحريري في لقاء رؤساء الحكومات السابقين وصار مرحبا به ومعولا عليه، بعدما كان منزعجا منه.. وكان أن عمل الحريري على إفشال زيارة دياب الى صيدا مع توجيه لوم الى الرئيس فؤاد السنيورة الذي تتسع المسافة الفاصلة بينه وبين الحريري، على غرار ما حصل مع النائب نهاد المشنوق (الذي يقيم علاقة جيدة مع وزير الداخلية محمد فهمي لم تكن موجودة أيام الوزيرة ريا الحسن).
3 ـ التحالف الذي يزداد وضوحا ورسوخا بين الحريري وجنبلاط، والذي ترجم أمس في تطيير نصاب الجلسة وإسقاط خطة الدعم المقدرة بـ 1200 مليار ليرة لدعم القطاعات الإنتاجية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وما يخشاه دياب ويتحسب له أن يكون هذا التحالف الثنائي نواة ومقدمة لـ «جبهة سياسية معارضة» مستوحاة من تجربة 14 آذار، ومستندة الى حركة الشارع بأن تعمل على تحريكه وتحريضه من جهة، وعلى قطف ثمار تحركاته وضغوطه من جهة ثانية.
مادامت «الانتفاضة» لم تتوصل الى قيادة موحدة والى برنامج موحد لخطة وأهداف وآليات، فإنها لا تصل الى نتيجة ويكون تحرك الشارع عبثيا ويدور في فراغ حول نفسه ومجيرا لمصلحة السياسيين.
4 ـ السبب الأهم لقلق دياب و«حنقه» هو الدور الذي يلعبه الرئيس نبيه بري ولا يبدو عنده مفهوما ومبررا، لأن بري هو ركن أساسي في الحكومة ويفترض أنه داعم قوي لها، ولكن ما يحصل على أرض الواقع يفيد بأنه منحاز الى المعارضة ويخدمها أكثر مما يخدم الحكومة.
وهذا لم يعد مجرد شعور وتشكيك، وإنما صار قناعة بدأت تتبلور من اللحظة التي هدد فيها بري بالاستقالة وسحب وزرائه من الحكومة إذا لم يكن له ما يريد في موضوع إعادة المغتربين وإلغاء «الكابيتال كونترول».
إذا كانت أنظار الكثيرين متجهة الى ثلاثية «الحريري ـ جنبلاط ـ جعجع» كمشروع جبهة جديدة لـ «المعارضين الجدد»، فإن أنظار دياب مركزة على ثلاثية «بري ـ الحريري ـ جنبلاط» كمصدر خطر أساسي على عمل الحكومة وإنتاجيتها.. دياب غير مرتاح لهذا التواطؤ بين داخل الحكومة وخارجها، ولهذا الاختراق الذي حققته المعارضة المستجدة داخل الحكومة في ضوء ما ظهر من تناغم بينها وبين بري الذي يخوض عنها معركتها ومن داخل الحكومة.