وأخیرا صار للعراق حكومة جدیدة. بعد خمسة أشھر من فراغ حكومي على وقع إحتجاجات شعبیة في الشارع، وبعد محاولتین فاشلتین لتشكیل حكومة جدیدة خلفا لحكومة عادل عبد المھدي جرتا مع محمد توفیق علاوي وعدنان الزرفي، نجح مصطفى الكاظمي في تشكیل الحكومة ونیلھا ثقة البرلمان... ما حصل في العراق یشبه ما حصل في لبنان:
الكاظمي آتٍ من خارج الطبقة السیاسیة التي اضطُرت للإنكفاء عن الواجھة، مع فارق أن الكاظمي "رجل مخابراتي" وحسان دیاب "رجل أكادیمي"... وحكومة بغداد مثل حكومة بیروت یطغى علیھا الوزراء الإختصاصیون (التكنوقراط)، وفیھا وزارات سیادیة ومحاصصة طائفیة (وزارات المال والنفط والداخلیة للشیعة والدفاع للسنةّ والخارجیة للأكراد)، ولكن الفارق الأساسي في لغة الصراع الإیراني الأمیركي الدائر على الساحتین العراقیة واللبنانیة أن حصة إیران في حكومة دیاب أكبر من حصة الولایات المتحدة، فیما حكومة الكاظمي تمیل أكثر الى الولایات المتحدة.
وفي أقل تقدیر حكومة تقاسم النفوذ والمصالح بین الدولتین وتعكس توازنا دقیقا.
مصطفى الكاظمي شغل رئاسة جھاز المخابرات الوطني، ولكن حدیثا منذ العام ٢٠١٦ عندما فاجأ رئیس الوزراء حیدر العبادي الجمیع بتعیین صحافي وناشط حقوقي في ھذا المركز الحساس... الكاظمي كان معارضا لنظام صدام حسین قبل العام ٢٠٠٣ ویحُسب من ضمن "الفریق الأمیركي" الذي كان یقوده "أحمد الجلبي"، والذي تعاون الى أقصى حد مع الحاكم الأمیركي المدني للعراق آنذاك بول بریمر... ویعُرف عن الكاظمي البراغماتي أنھ صاحب شبكة واسعة من العلاقات، مع الولایات المتحدة أولا... ومع إیران أخیرا، بمعنى أنه نجح في إصلاح وتسویة علاقته مع الإیرانیین في الأشھر الأخیرة... ولكن ما یلفت علاقتھ المتمیّزة مع السعودیین... وخلال زیارة ل"العبادي" الى الریاض عام ٢٠١٧ ، شوھد الكاظمي وھو یعانق مطولا صدیقه ولي العھد السعودي الأمیر محمد بن سلمان.
مثلما كان لافتا أن تكون السعودیة الیوم أول الدول المرحّبة بحكومة الكاظمي وأكثرھا حرارة. ولم یقتصر الأمر على بیان رسمي صادر عن وزارة الخارجیة "یبدي إستعدادا للعمل مع الحكومة الجدیدة على أساس الإحترام المتبادل والروابط التاریخیة"، فھذا البیان أرُفق ببرقیتي تھنئة من الملك سلمان وولي عھده الذي تمنى لرئیس الوزراء العراقي الجدید "دوام التوفیق".
"حكومة الكاظمي" الجدیدة في بغداد تقود الى إستنتاجین:
- الأول ھو أن إیران وافقت على الحكومة التي لا تعُدّ "مثالیة" والأفضل بالنسبة لھا... لیست ھذه الحكومة التي تریدھا إیران وتطمح إلیھا، ولكنھا تصرفت واقعیا وسلمّت بالتوازن الدقیق في العراق الذي لا یسمح لھا بالإستئثار بالحكومة والقرار، وطرد الأمیركیین كوجود عسكري ونفوذ سیاسي... وما لم تستطعھ طھران في الأشھر السبعة الماضیة لفرض الحكومة التي تریدھا لن تستطیعھ في ھذه المرحلة، في ظل حصار اقتصادي وضائقة مالیة وجائحة ال"كورونا"، وانھیار أسعار النفط، وبعد المتاعب التي واجھتھا في العراق منذ مطلع ھذا العام، بدءا من إغتیال اللواء قاسم سلیماني الذي یصعب ملء فراغھ، مرورا بالإحتجاجات الشعبیة التي في جزء منھا بدت موجھة ضد إیران، وصولا الى الإنقسامات بین القوى والمكوّنات الشیعیة، ناھیك عن إنحیاز المكوّنین السنيّ والكردي ناحیة الأمیركیین.
- الإستنتاج الثاني أن التوصل الى ھذه الحكومة وإرساء توازن دقیق بین الأمیركیین والإیرانیین یدشن مرحلة جدیدة قدیمة عنوانھا "المساكنة" بین الطرفین على أرضالعراق. ھذه المساكنة التي اھتزت بعنف بعد إغتیال سلیماني وتحوّلت صداما وكادت أن تتطور الى حرب، تفرضھا، لیس فقط التوازنات العراقیة، وإنما المستجدات الإقلیمیة التي خلطت الأوراق والأولویات، وفرضت على الطرفین تھدئة اللعبة وتبرید المسرح في العراق والیمن والخلیج.
والمستجدات الأمیركیة التي لھا علاقة بالانتخابات الرئاسیة، إذ بعدما كان الأمر قد حُسم لمصلحة ترامب لم یعد كذلك وبات جو بایدن یشكل منافسا جدیا ولدیھ حظوظ وفرص، بعد إنقلاب المعطیات الاقتصادیة في أمیركا ومعھا مزاج ترامب وشعبیته.
الرئیس ترامب في الفترة الفاصلة عن الانتخابات لا ھدف لدیھ إلا ترمیم وضعھ الانتخابي المتصدّع، مع ما یعنیه ذلك من تفرّغ للداخل ووضع كل ملفات الخارج والشرق الأوسط جانبا، وحیث لا مكان حالیا لحروب ولا لصفقات كبرى.
والإیرانیون لیس أمامھم إلا إنتظار الانتخابات الأمیركیة والعودة الى كسب الوقت والرھان على سقوطه وفوز بایدن ومعه عودة نھج أوباما... في الواقع حصل تقاطع أمیركي إیراني على تھدئة الصراع وتمریر المرحلة في المنطقة، فكانت حكومة الكاظمي ترجمة لھذا التقاطع وإعلان العودة الى "سیاسة المساكنة" في العراق.