أحيت الولايات المتحدة أمس ذكرى إنهاء العبودية في خضم اضطرابات هي الأوسع والأعنف منذ ستينيات القرن الماضي، أوقد شرارتها عنف الشرطة غير المبرر ومن خلفه العنصرية والتمييز تجاه الأميركيين السود.
وشارك الآلاف في عدة تظاهرات تمتد من نيويورك إلى لوس انجيليس لمناسبة الذكرى 155 لما يسمى بـ «جونتينث» (دمج شهري يونيو/ يوليو و19 وفق لفظهما بالانجليزية)، وهو اليوم الذي أدرك خلاله «العبيد» في غالفستون في تكساس أنهم صاروا أحرارا.
غير أن عدة مآس وقعت خلال العام الحالي دفعت بالولايات المتحدة نحو الشروع في إعادة النظر بالعنصرية التي طبعت ماضيها ولاتزال ماثلة في المجتمع.
وكان أبرز تلك الأحداث، وفاة الأميركي الأسود جورج فلويد (46 عاما) اختناقا في نهاية مايو في مدينة مينيابوليس، بعدما جثا الشرطي الأبيض ديرك شوفين فوق عنقه لأكثر من ثماني دقائق وسط مناشداته المتكررة بعبارة «أعجز عن التنفس».
وأثار نشر المشهد كاملا في مقطع فيديو سجله مارة، صدمة في البلاد وتظاهرات هائلة رفضا للعنصرية الحاضرة في اليوميات واحتجاجا على عنف الشرطة.
وقال شقيق جورج فلويد، فيلونيز، أمام جلسة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف قبل أيام، «الحقيقة المؤلمة أن ما جرى لا يمثل حادثة منفصلة». وأوضح أن «الطريقة التي عذب بها شقيقي ومقتله الذي وثقته كاميرا يعكسان كيفية معاملة الشرطة للسود في (الولايات المتحدة)».
ووسط الهتاف بشعار «حياة السود تهم»، تظاهر ملايين في الشوارع تنديدا بعدم المساواة. وألقت هذه التعبئة التي شابتها أعمال عنف ونهب، الضوء على أساليب قوات إنفاذ القانون تجاه الأقليات في البلاد وسلوكها الجائر.
وأججت الغضب حادثة مماثلة شهدتها مدينة اتلانتا في 12 يونيو الجاري، حينما أطلق شرطي ابيض رصاصتين على ظهر الأميركي الأسود رايشارد بروكس الذي كان يحمل آلة صعق بيده ويحاول الفرار من الشرطة.
وكما في مينيابوليس، أقيل الشرطي واتهم بالقتل.
وبرغم أن دونالد ترامب ندد بمقتل فلويد وبروكس، لكنه أضاع فرصة الظهور كرئيس جامع. فبدلا من ذلك، انتقد المتظاهرين في عبارات نظر إليها على أنها تحمل إيحاءات عنصرية.
وسكب الملياردير الجمهوري الزيت فوق النار من خلال دعوته إلى تجمع انتخابي واسع في تولسا بولاية أوكلاهوما تزامنا مع ذكرى إنهاء العبودية. ولاتزال ذاكرة هذه المدينة مطبوعة بذكرى واحدة من أسوأ أعمال الشغب العنصرية، إذ إنها شهدت عام 1921 مقتل ما يصل إلى 300 أميركي من أصول أفريقية على يد حشد من البيض.
ووصف خيار ترامب بأنه استفزازي، ما اضطره إلى إرجاء التجمع الى اليوم.
ودفعت هذه التظاهرات والاحتجاجات بالأميركيين إلى إعادة النظر في تاريخ بلدهم الذي مزقته مسألة العبودية التي كانت نظاما وفر الازدهار الاقتصادي.
وتكررت الدعوات إلى إزالة نصب تكرم جنرالات ومسؤولين كونفدراليين في زمن الحرب الأهلية (1861-1865)، وهي منتشرة في جنوب البلاد، وجرى هدم بعضها.
ومنعت سباقات ناسكار للسيارات رفع أعلام الكونفدرالية في الحلبات، إذ غالبا ما ترفعها حشود في الجنوب حيث تشتهر هذه السباقات.
وبرغم المكاسب التي سجلت في الخمسينيات والستينيات بفعل حركة الحقوق المدنية، فإن أقلية السود (نحو 13% من السكان) تعد مهمشة. فهي تعاني من نسب فقر عالية وغير ممثلة بشكل منصف على المستوى السياسي.
وضاعفت أزمة تفشي وباء «كوفيد-19» هذا الواقع، إذ ارتفعت معدلات البطالة بين السود بشكل كبير وسط الشلل الذي أصاب الاقتصاد الأميركي. وفي ظل عمل السود عموما في أعمال أساسية ولكنها منخفضة الأجور، كانوا أكثر عرضة في مواجهة الفيروس.