لم يكن حادث التصعيد العسكري الذي وقع في الخامس عشر من الشهر الجاري، على الحدود بين الصين والهند في منطقة جبال الهيمالايا هو الأول من نوعه، وإنما كان عام 2017 شاهدا على مواجهات استمرت 72 يوما بين القوات الهندية والصينية في قطاع استراتيجي من منطقة بوتان في الهيمالايا، ونجحت مفاوضات في تخفيف التوتر بين الطرفين.
لكن الحادث الحدودي الأخير رغم وصف المراقبين له بأنه أعنف مواجهة بين الدولتين خلال 45 عاما، إلا أنه أثار تساؤلات عديدة بشأن دلالات استخدام الجنود، الأسلحة البدائية مثل الحجارة والهراوات في اشتباكات الحدود بين الهند والصين.
وفي هذا السياق، أشار مراقبون إلى أن قواعد الاشتباك التي حددتها اتفاقية عام 1996 بين البلدين، تنص المادة السادسة منها على أنه «لا يجوز لأي من الطرفين إطلاق النار أو استخدام المواد الكيميائية الخطرة أو القيام بعمليات التفجير أو الصيد بالبنادق والمتفجرات». وتعد اتفاقية 1996 من بين مجموعة من الوثائق التي تضمن السلام على طول الحدود الهندية ـ الصينية.
وقد كشفت المواجهات الحدودية بين العملاقين الآسيويين الصين والهند هذه المرة، أن ثمة حسابات استراتيجية أخرى تكمن وراء هذه المواجهات، وهي:
أولا: لعل أول الحسابات الاستراتيجية ما يتعلق برغبة بكين في بسط نفوذها في بحر الصين الجنوبي في إشارة واضحة إلى مواجهة الوجود العسكري البحري الأميركي في المنطقة نفسها، حيث شرعت بكين منذ أوائل العام الحالي 2020، في تحركات كبيرة على الصعيدين الاستراتيجي والتكتيكي، لاسيما مع انتقال تركيز واهتمام المجتمع الدولي بأسره إلى مجابهة جائحة ڤيروس كورونا المستجد.
ثانيا: على الصعيد الجيواستراتيجي، تهدف بكين جراء التصعيد العسكري مع الهند في منطقة جبال الهيمالايا من بين جملة من الأهداف، ممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة الهندية، لإبعادها عن فلك الارتباط بالولايات المتحدة بالرغم من النتائج العكسية التي ربما يتيحها هذا المسار من حيث تحرك الهند مباشرة للتواصل مع الحكومة الأميركية، بيد أن بكين لم تستشعر ارتياحا في حالة التقارب المستمرة التي جمعت بين واشنطن ونيودلهي على مدار السنوات الخمس الماضية.
ثالثا: أن الصين لديها الرغبة في بسط هيمنتها على المحيط الهندي، من أجل تنفيذ مبادرة «حزام واحد وطريق واحد»، حيث تقف الهند عقبة على مسارات التجارة التي تحاول الصين الاستعانة بها في السيطرة على المجريات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.
وبهذا المعنى، فإن الاشتباكات التي جرت في منطقة جبال الهيمالايا مؤخرا، هي معنية في المقام الأول بمحاولات السيطرة على المنطقة لتنفيذ الاستراتيجية الاقتصادية العالمية، والتي تملك واشنطن حيالها إمكانيات محدودة للانخراط فيها بقوة.
رابعا: تتضمن هذه المواجهات الحدودية بين بكين ونيودلهي توجيه عدة رسائل من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية، في إطار سعي واشنطن لتقوية علاقاتها بالحكومة الهندية، وإصرار الولايات المتحدة على مواصلة الاقتراب الوثيق مع تايوان بسبب الإجراءات الصينية التي تتخذها في هونج كونج، إذ ترغب بكين في تفتيت كتلة الممانعة التي تحاول أميركا بناءها ضد الصين وسياستها، من خلال تأطير مجالات التعاون مع كل من الهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وسنغافورة.
جذور النزاع الحدودي
يرجع جذور النزاع الحدودي بين الصين والهند إلى العامل التاريخي والمتمثل في ترك الإنجليز للحدود كما هي عقب استقلال مستعمراتها، ففي عام 1947، استقلت الهند عن بريطانيا، وحصلت على هضبة واسعة شمال شرقي البلاد، قالت الصين إن ملكيتها تعود لها.
ومنذ ذلك الحين، تجددت النزاعات الحدودية بين الجانبين، وكان الهجوم الصيني على القوات الهندية عام 1962، المحطة الأبرز في هذا النزاع، حيث استولت على مرتفعات أقساي تشين التي تفصل بين البلدين.
ودارت على مدى السنوات الماضية اشتباكات بسيطة بين القوتين الآسيويتين الكبيرتين على طول الحدود بينهما والممتدة على طول 3500 كيلومتر، وخصوصا في منطقة «لاداخ» المرتفعة في شمال الهند.
وكانت آخر مواجهة بين البلدين في عام 2017، حين بدأت الصين في شق طريق عسكري على تلة استراتيجية قرب حدودها تعرف بهضبة (دوكلام) والتي تربط بين أراض صينية وهندية وبوتانية، إلا أن تلك الواقعة انتهت بتراجع القوات من كافة الأطراف، وانخرطت الدولتان الكبيرتان في عدد من جولات المحادثات المتتالية.
وتعتبر الاشتباكات الدامية التي وقعت في منتصف يونيو 2020، بين القوتين الكبيرتين هي الأولى من نوعها منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهي تعكس مدى ما بلغته العلاقات الثنائية المتوترة والمشحونة للغاية بين أكبر دولتين على مستوى العالم من حيث عدد السكان، حيث بدأ الصراع الراهن قبل عدة أسابيع عندما قامت الصين بتحريك الآلاف من جنودها إلى وادي (جالوان) في إقليم (لداخ) على طول ما يعرف بخط السيطرة الفعلية بين الجانبين.
وكان السبب المباشر وراء التحركات العسكرية الصينية، هو قرار الحكومة الهندية بالشروع في تشييد طريق يؤدي إلى قاعدة جوية متقدمة، وتمثلت الاستجابة الصينية في رفع عدد القوات في الإقليم مع جلب مزيد من العتاد العسكري الثقيل (مثل الحفارات، وناقلات الجند المدرعة، وربما بعض بطاريات المدفعية)، مع بناء مخيمات الإعاشة لإيواء الجنود.
ورغم أن عدم ترسيم الحدود بين الهند والصين يبدو في رأي المراقبين، المتهم الرئيسي في التصعيد العسكري الحدودي بين البلدين، إلا أن خبراء يضعون فرضيات إضافية يعتبرونها محرضا لأي نزاعات حدثت أو قد تقع مستقبلا، تتمثل هذه الفرضيات في عدم رضاء الصين عن موقف الهند المرتبط باستقبال الزعيم الروحي للتبت الدلاي لاما، إضافة إلى تخوف بكين من تعزيز الهند لحضورها في بحر الصين الجنوبي عبر التقارب مع الولايات المتحدة وأستراليا واليابان.
يبقى التأكيد على أن حل أزمة التصعيد العسكري الحدودي بين بكين ونيودلهي الذي يشتعل بين الحين والآخر، يكمن في العودة لمفاوضات طويلة تسدل الستار على أزمة الحدود، ويرضي الدولتين النوويتين حفاظا على الأمن الإقليمي الآسيوي ومن ثم الأمن والاستقرار العالمي.